تسريع الدعم المالي بدلاً من التيسير النقدي
بنك الشعب لا يتعجل خفض أسعار الفائدة

أبقت الصين أسعار الفائدة القياسية للإقراض دون تغيير للشهر الخامس عشر على التوالي في أغسطس اليوم الخميس، بما يتماشى مع توقعات السوق، في وقت تشهد فيه سوق السندات العالمية هزة عنيفة وزلزالاً يدفع البنوك المركزية إلى إعادة حساباتها.
ويرى محللون أن استقرار أسعار الفائدة الأساسية للقروض يشير إلى أن صناع السياسات قد يعتمدون بشكل أكبر على تسريع التنفيذ المالي بدلاً من التيسير النقدي الجديد لدعم النمو، في وقت لا تزال فيه البنوك تعاني من هوامش ربح منخفضة تقترب من مستويات قياسية.
تواجه أسواق السندات العالمية موجة بيع واسعة مع ارتفاع العوائد إلى مستويات تاريخية، بفعل مخاوف التضخم وتضخم الديون والعجز المالي، فيما تدخلت الخزانة الأميركية لمواجهة الضغوط عبر مضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار للعملية، في محاولة لدعم السيولة وتهدئة تكاليف الاقتراض.
أظهرت سلسلة من بيانات شهر يوليو، التي تتراوح بين الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة إلى الإقراض الائتماني، أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يعاني ضعفاً مستمراً في الطلب المحلي.
وسجلت قروض اليوان الجديدة في الصين انكماشاً قياسياً في يوليو، متجاوزة التوقعات، حيث أثرت العوامل الموسمية وضعف الطلب على الائتمان الأسري في الإقراض.
وتعهد قادة الصين في اجتماع المكتب السياسي في يوليو بدعم الاقتصاد المتباطئ من خلال تسريع الإنفاق المالي على مشاريع البنية التحتية المدرجة بالفعل في الميزانية للفترة المتبقية من العام، بدلاً من التخطيط لتدابير تحفيزية جديدة كبيرة.
وقال محافظ بنك الشعب الصيني يي قانغ إنه سيحافظ على موقف نقدي متساهل بشكل مناسب، وسيطرح تدابير عملية وفعالة حسب الحاجة، لكنه لم يشر إلى تخفيضات صريحة في أسعار الفائدة أو نسبة متطلبات الاحتياطي للبنوك.
ويرى بنك «باركليز» أن قوة اليوان الأخيرة تمنح بنك الشعب الصيني مساحة أكبر لتأجيل خفض الفائدة، بعدما أصبح الضغط على العملة أحد القيود التي تحد عادةً من التيسير النقدي، وأن هذا التحسن خفف بعض هذه القيود، لكنه لا يكفي لتغيير حسابات البنك المركزي في ظل انخفاض هوامش أرباح البنوك إلى مستويات قياسية تقريباً.
قال المحللون في بنك «باركليز»: «رغم الموقف التيسيري، نعتقد أن تقرير السياسة النقدية الصادر عن بنك الشعب الصيني للربع الثاني يشير إلى أن البنك المركزي ليس في عجلة من أمره لخفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي».
وأضاف محللو «باركليز» في مذكرة للمستثمرين: «نتوقع استمرار ثبات أسعار الفائدة طوال عام 2026».
وتابع المحللون: «رغم أن قوة اليوان الصيني الأخيرة قد خففت بعض القيود المفروضة على التيسير النقدي، إلا أننا نعتقد أن المستوى القياسي المنخفض لهوامش صافي الفائدة للبنوك يحد من إمكانية إجراء المزيد من تخفيضات أسعار الفائدة».
وأوضح محللو «باركليز» أن ضعف الطلب على الائتمان يشير إلى أن المشكلة في الصين لا تتعلق فقط بكلفة الاقتراض، بل بضعف الرغبة في الاقتراض والاستثمار، إذ سجلت القروض الجديدة باليوان في يوليو أكبر انكماش لها على الإطلاق؛ ما يعني أن خفض الفائدة وحده قد لا يكون كافياً لتحفيز الشركات والأسر على الاقتراض.
يقول الإستراتيجيون في «إنفيسكو» إن السندات الحكومية الصينية يمكن أن تؤدّي دوراً مهماً في تنويع المحافظ الاستثمارية؛ لأنها من المرجح أن تستمر في التصرف بشكل مختلف عن ديون الدول الأخرى.
وانخفضت عوائد السندات الصينية بشكل طفيف في الأشهر الأخيرة، رغم ارتفاع المؤشرات القياسية في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
ويعكس ذلك كيف أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يزال بمنأى عن أسواق رأس المال العالمية، ويواجه بيئة انكماشية، على عكس المخاوف من التضخم في أماكن أخرى.
ويزداد اختلاف السندات الصينية أهمية مع ارتفاع عوائد الديون الحكومية في الاقتصادات الكبرى، إذ تراجع عائد السندات الصينية لأجل عشر سنوات إلى نحو 1.67%، في اتجاه معاكس لصعود عوائد السندات الأميركية واليابانية؛ ما يعكس اختلاف دورة الاقتصاد والسياسة النقدية في الصين عن الاقتصادات المتقدمة، ويمنح السندات الصينية جاذبية إضافية للمستثمرين الباحثين عن التنويع.
قال رئيس إدارة محافظ الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو»، نوربرت لينغ: «نرى مجالاً لتفوق أداء السندات الصينية على نظيراتها في الأسواق المتقدمة من حيث تعديل المخاطر».
وعزا لينغ ذلك إلى السياسات الاقتصادية الكلية الداعمة والنمو القوي للصادرات، الذي يُسهم في دعم الطلب على سندات الحكومة المركزية.
وقال لينغ في مذكرة: «لا تزال هذه السندات تحقق عوائد حقيقية إيجابية، مع خصائص دفاعية تؤهلها لتكون جزءاً من محافظ السندات العالمية».
تواجه الصين تراجعاً حاداً في سوق العقارات وانكماشاً اقتصادياً؛ ما دفع بنك الشعب الصيني إلى اتباع سياسة نقدية توسعية، وأعلنت بكين عن انخفاض مخيب للآمال في مبيعات التجزئة ونمو الإنتاج الصناعي لشهر يوليو؛ ما عزز الآمال في المزيد من خفض أسعار الفائدة وتحفيز الاقتصاد، وقال الإستراتيجيون في «باركليز»: «من المرجح أن يؤدي ذلك إلى اختلاف مسار سنداتها عن مسار سندات الأسواق الرئيسية الأخرى».
قال رئيس قسم تخصيص الأصول الآسيوية في مكتب الاستثمار الرئيسي لدى «يو بي إس لإدارة الثروات»، تشون لاي وو: «جاءت أحدث بيانات النشاط الاقتصادي الكلي في الصين لشهر يوليو أضعف من توقعات السوق».
أضاف وو في مذكرة: «تشير البيانات إلى أن الطلب المحلي قد يستغرق وقتاً أطول للتعافي، ونتوقع أن يظل بنك الشعب الصيني داعماً من خلال عمليات السيولة وتدابير الائتمان الموجهة»، وتابع: «السندات الحكومية الصينية توفر فوائد تنويع قيّمة ضمن محفظة أصول متعددة استراتيجية للمستثمرين العالميين والآسيويين».
اتفقت شارو تشانانا، كبيرة إستراتيجيي الاستثمار في «ساكسو»، مع هذا الرأي، مشيرة إلى أن بنوكاً مركزية رئيسية أخرى، مثل: البنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، رفعت أسعار الفائدة.
وقالت في رسالة بريد إلكتروني: «بالنسبة للمحافظ العالمية، لا يزال بإمكان السندات الحكومية الصينية أن تؤدّي دوراً في التنويع؛ لأن دورة أسعار الفائدة في الصين تختلف بشكل متزايد عن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان».
وتكشف تركيبة التمويل في الصين أن بكين باتت أقل اعتماداً على القروض المصرفية وحدها، إذ تجاوز تمويل السندات والأسهم مساهمة القروض في زيادة إجمالي التمويل الاجتماعي خلال 2025، وهو ما يمنح صناع السياسة أدوات أخرى لدعم الاقتصاد دون الحاجة إلى خفض أسعار الفائدة على نطاق واسع، وفقاً لمحللة «ساكسو».
يرى محللو «مورغان ستانلي» أن اختلاف دورة السياسة النقدية الصينية عن الاقتصادات المتقدمة قد يمنح الأصول الصينية دوراً أكبر في المحافظ العالمية، خصوصاً إذا استمرت الولايات المتحدة واليابان في مواجهة ضغوط على عوائد السندات بينما تحافظ الصين على بيئة منخفضة التضخم؛ ما يجعل السندات الصينية أقل ارتباطاً بتحركات الديون السيادية في الأسواق الكبرى.
ويبدو أن رهان بكين لا يقوم على خفض الفائدة بقدر ما يعتمد على إبقاء تكلفة التمويل مستقرة، ودعم اليوان، وتسريع الإنفاق المالي، مع استخدام أدوات السيولة والائتمان عند الحاجة، فإذا نجحت هذه التركيبة في تحفيز الطلب دون الضغط على هوامش البنوك أو العملة، فقد تتمكن الصين من دعم النمو من دون الدخول في موجة تيسير نقدي واسعة.