
في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تواجهها إيران واستمرار العقوبات الدولية، تحركت طهران نحو تلافي عجز الطاقة المتكرر والذي أثار احتجاجات بالبلاد، عبر اتفاق مع روسيا لبناء أربع محطات نووية ستولد 5000 ميغاواط من الكهرباء.
تلك الصفقة التي تبلغ قيمتها 25 مليار دولار، باعتقاد خبراء طاقة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، تعد خطوة هامة نحو سد العجز في الكهرباء الذي يصل في إيران لنحو 30 ألف ميغاواط، لكنها لا تزال محملة بأعباء مالية جديدة في ظل عقوبات دولية مستمرة على طهران ستحد من وتيرة إنجاز ذلك المشروع المبشر بنهاية أزمة الطاقة في أقرب الأجال.
أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» في الـ26 من سبتمبر الماضي، بأن طهران وقعت اتفاقية بقيمة 25 مليار دولار مع شركة «روساتوم» النووية الحكومية الروسية لبناء أربع محطات للطاقة النووية في إيران، على موقع مساحته 500 هكتار في منطقة جنوب شرق البلاد ستولد 5000 ميغاواط من الكهرباء.
ووقع الاتفاق في موسكو رئيس «روساتوم» أليكسي ليخاتشوف ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي، بحسب بيان للشركة وصف المشروع بأنها «استراتيجي».
وقال إسلامي، ويشغل أيضاً منصب نائب الرئيس الإيراني، لوسائل إعلام رسمية، إنه مع توقيع الاتفاقية ستبدأ الخطوات التشغيلية، لافتاً إلى أن الخطة المستقبلية مع روسيا تتضمن بناء 8 محطات طاقة نووية في إطار سعي طهران للوصول إلى قدرة إنتاجية للطاقة النووية تبلغ 20 غيغاوات بحلول عام 2040، وفقاً لما نقلته «رويترز».
ولا تملك إيران، التي تعاني نقصاً في الكهرباء خلال أشهر ذروة الطلب، سوى محطة طاقة نووية واحدة عاملة في مدينة بوشهر الجنوبية، مخصصة لإنتاج الطاقة الكهربائية، والتي بنتها روسيا عام 1993 وتبلغ طاقتها نحو غيغاواط.
وكانت روسيا وإيران وقّعتا في أبريل 2025 على معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو، وتشمل المعاهدة جميع المجالات، لاسيما والدفاع، والطاقة، والمالية، والنقل، والصناعة، والتكنولوجيا.
ويرى أوميد شكري، الخبير الاستراتيجي في الطاقة والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تلك الاتفاقية البالغة قيمتها 25 مليار دولار بين إيران وشركة «روساتوم» الروسية لبناء 4 محطات للطاقة النووية تمثل خطوة هامة نحو معالجة النقص المزمن في الكهرباء في إيران والمضي قدماً نحو أمن الطاقة.
وتواجه إيران حالياً، بحسب شكري «عجزاً حاداً في الطاقة خلال فترات ذروة الطلب، حيث تُنتج محطة نووية واحدة فقط (بوشهر) حوالي غيغاواط واحد ومن المتوقع أن تُولد المحطات الجديدة 5000 ميغاواط مجتمعة؛ ما سيزيد بشكل كبير من قدرة الطاقة النووية وينوع إمدادات الطاقة في إيران بعيدا عن نظامها المرهق القائم على الوقود الأحفوري».
كما يوسع هذا المشروع آفاق التعاون النووي طويل الأمد بين روسيا وإيران، ويتوافق مع الرؤية الاستراتيجية لإيران لتحقيق أهداف التنمية طويلة الأجل وتلبية احتياجات الطاقة رغم العقوبات المستمرة، وفق شكري.
وجاء الاتفاق قبل أيام من رفض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشروع قرار لرفع العقوبات عن طهران بشكل دائم، وهي خطوة أيدتها روسيا والصين اللتان تعارضان جهود بريطانيا وفرنسا وألمانيا لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة.
وتتهم الدول الأوروبية طهران بعدم الالتزام باتفاق 2015 مع القوى العالمية، والذي يهدف إلى منعها من تطوير سلاح نووي. وتنفي إيران نيتها تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد روسيا دعمها لحق طهران في الطاقة النووية السلمية.
وبحسب شكري، يعقد التوقيت والسياق الجيوسياسي التوقعات بشأن مستقبل ذلك الاتفاق وتأثيراته الإيجابية في الطاقة في إيران، موضحاً أن «إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة القاسية على إيران بسبب برنامجها النووي يضيف تحديات اقتصادية جديدة، من المرجح أن تُفاقم أزمات الطاقة والمالية الحالية في إيران».
ورغم أن «هذه العقوبات لا تستهدف قطاع الطاقة بشكل مباشر، فإن الضغوط الاقتصادية الأوسع، وانخفاض قيمة العملة، والقيود التجارية قد تُعيق قدرة إيران على تمويل وتنفيذ مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق»، وفق شكري.
ويشير إلى أن الاتفاق بين موسكو وطهران رغم كونه تطوراً مبشراً فإن أزمة الطاقة في إيران متجذرة بعمق في العقوبات التي تُقيد الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا، وسوء الإدارة المحلية، وفجوات البنية التحتية، وبدون تخفيف العقوبات أو تعزيز التعاون الدولي، قد تُضعف العقبات المالية واللوجستية آمال التوسع النووي.
ويخلص إلى أنه لا يزال مستقبل الاتفاق النووي الإيراني الروسي غامضاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وخطر الصراع، وهشاشة الوضع الاقتصادي الإيراني، وحتى مع ترويج البلدين للاتفاق على أنه يعزز مقاومة الضغوط الغربية، فإن خطر تجدد الصراع أو العقوبات قد يؤخر أو يعرقل تقدم المشروع.
ويوضح أن ضعف الاقتصاد الإيراني أمام العقوبات والتضخم يثير مخاوف بشأن قدرة طهران على الحفاظ على الاستقرار التمويلي والتشغيلي لمثل هذا المسعى الذي يتطلب رأس مال ضخماً، وفي هذه البيئة، يُمثل الاتفاق النووي البالغ 25 مليار دولار تأكيداً استراتيجياً على استقلالية الطاقة، لكنه عبء مالي ثقيل محتمل، يعتمد على الديناميكيات الجيوسياسية وقدرة إيران على إدارة الأزمات المتقاطعة.
من جانبه، يعتقد الخبير العراقي النفطي، والمستشار السابق لرئيس الوزراء، حمزة الجواهري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن ذلك الاتفاق رغم أهميته سيكون «عبئاً مالياً كبيراً» يضاف إلى الأعباء الاقتصادية الحالية لإيران حيث إن كلفة محطات الطاقة التي تعمل على الغاز لا تزيد على أربعة مليارات دولار أو أقل وكلفة محطات معالجة الغاز لا تزيد عن أربعة مليارات ويمكن شراؤها من روسيا أو الصين أي من أعضاء بريكس أيضاً.
فيما اعتبر أنه رغم التحدي المالي فإن الاتفاق سيكون خطوة واسعة ومهمة نحو استقرار الطاقة، لافتاً إلى أنه المتوقع من المحطات يمكن أن يسهم في سد عجز الكهرباء.
ونبه الجواهري إلى أن العقوبات لن تتوقف على إيران خاصة وهي مستهدفة من قبل الغرب بشكل كبير، وبالتالي تحرك طهران في خطوط متوازية لحل أزمة الطاقة ومنها ذلك الاتفاق مع روسيا سيكون أحد الحلول الممكنة لتجاوز عجز الكهرباء خاصة وأنه بين دولتين بمجموعة بريكس التي تبتعد عن هيمنة واشنطن والغرب ويمكن أن يسهم التعاون بينهما في حلول مستقبلية.
وأكد الجواهري أنه لحين دخول محطات الاتفاق الروسي الإيراني حيز التنفيذ لم تتوقف طهران عن حل مشاكل الكهرباء وتراجعات الطاقة، وتحاول أن تخففها بكل السبل الممكنة، معرباً عن تفاؤله بهذا الاتفاق رغم أعبائه المالية حيث إنه يشكل خطوة للأمام لتأسيس نظام عالمي جديد بعيداً عن الهيمنة الأميركية والغربية.
ومنذ مطلع أغسطس، أصدرت السلطات الإيرانية قرارات بإغلاق مبان حكومية ومصرفية في طهران وعدد من المحافظات، للحد من استهلاك الكهرباء مع موجات الحر الشديد.
ومنذ ديسمبر 2024، اضطرت السلطات إلى تقليص ساعات العمل في مؤسسات حكومية ومدارس، وفرض تقنين الكهرباء على المصانع، وتسببت موجات الحر في يوليو وأغسطس بزيادة الانقطاعات، مع احتجاجات شعبية متكررة ضد سوء الخدمات، وطالت خطة الانقطاع بعض المقار الدبلوماسية في طهران، حيث تشهد ثلاث سفارات انقطاعاً يومياً للكهرباء لساعتين، وفق ما ذكرته وكالة «فارس»، الشهر الماضي.
وتضاعف عدد سكان إيران تضاعف ثلاث مرات منذ 1969 ليصل إلى أكثر من 90 مليون نسمة، بينما فشلت البنية التحتية في مواكبة الطلب المتزايد، وسط وجود عجز كهربائي يبلغ 30 ألف ميغاواط.
وزادت العوامل الموسمية، بما في ذلك فصول الشتاء الباردة التي تُحوّل الغاز الطبيعي إلى التدفئة، والجفاف الذي يُقلل قدرة توليد الطاقة الكهرومائية، من الضغط، وارتفع عجز الكهرباء في إيران من 13,000 ميغاواط في عام 2023 إلى 18,000 ميغاواط في عام 2024، مع توقعات بوصوله إلى 25,000 ميغاواط بحلول عام 2025.
وفي محاولةٍ لتخفيف حدّة الأزمة، لجأت إيران إلى استيراد الكهرباء من الدول المجاورة. وشملت الخطط الحالية استيراد 500 ميغاواط من أرمينيا وتركمانستان، و140 ميغاواط إضافية من أذربيجان خلال فترات الذروة الصيفية، فيما لا تُمثل سوى 2-3% من احتياجات البلاد.