
في تحوّل يعكس إعادة تشكيل موازين القوة في القرن الحادي والعشرين، برزت الموارد المادية، من النفط إلى المعادن النادرة وأشباه الموصلات، كأدوات ضغط استراتيجية في المنافسة بين القوى الكبرى، بعدما كان يُنظر لسنوات إلى التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي باعتبارهما المحدد الرئيسي للتفوق العالمي.
وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، يأتي هذا التحول في ظل تصعيد حاد في الشرق الأوسط، حيث اتجهت إيران إلى استخدام الطاقة كسلاح مباشر، عبر تعطيل حركة الملاحة في «مضيق هرمز»، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات النفط في العالم، والذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من الخام.
في مواجهة حملة مكثفة من الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، لجأت طهران إلى استراتيجية رد غير تقليدية، تقوم على توظيف موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية.
فقد أدى تعطيل «مضيق هرمز» فعلياً إلى شلل في أحد أهم شرايين التجارة النفطية، في خطوة تمثل تصعيداً نوعياً يعيد إلى الواجهة استخدام الموارد الطبيعية كأداة حرب اقتصادية على نطاق واسع.
ولم يقتصر التصعيد على ذلك، إذ وسّعت إيران دائرة الضغط باستهداف منشآت طاقة إقليمية، من بينها «رأس لفان» في قطر، الذي يضم أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، وذلك رداً على ضربات استهدفت حقول غاز إيرانية، وفق التقرير.
وفي المقابل، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته، ملوّحاً باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُعاد فتح المضيق خلال مهلة زمنية محددة، ما يرفع من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
انعكس هذا التصعيد سريعاً على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو 50% منذ بداية النزاع، فيما تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا تقريباً، ما يعكس هشاشة التوازن في أسواق الطاقة العالمية أمام أي اضطراب في الإمدادات. ويُعد ذلك تذكيراً واضحاً بالدور المركزي للطاقة في الاقتصاد العالمي، ليس فقط كمصدر للوقود، بل كعامل رئيسي في تحديد تكاليف الإنتاج والنقل والتضخم.
وتشير هذه التطورات وفق الصحيفة، إلى تحول أعمق في طبيعة القوة الجيوسياسية، حيث تعود السيطرة على الموارد الطبيعية والبنية الصناعية إلى صدارة عوامل النفوذ، بعد فترة ساد فيها الاعتقاد بأن الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا سيقللان من أهمية الجغرافيا.
وفي هذا السياق، سلطت الصحيفة الضوء على تجربة الصين التي برزت كدليل على قوة هذا النوع من النفوذ، إذ استخدمت سيطرتها على نحو 90% من إمدادات المغناطيسات الأرضية النادرة للضغط في مفاوضات تجارية مع الولايات المتحدة، عبر تقييد الوصول إلى مواد حيوية للصناعات الأميركية، ما أدى إلى تعطيل خطوط إنتاج ودفع واشنطن إلى تعديل مواقفها.
تسلّط الأزمة الضوء أيضاً على أهمية ما يُعرف بـ«نقاط الاختناق» في التجارة العالمية، وهي ممرات بحرية محدودة تمر عبرها نسبة كبيرة من تدفقات الطاقة والسلع. وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من تجارة النفط المنقولة بحراً تمر عبر عدد قليل من هذه الممرات، من بينها «مضيق هرمز»، و«مضيق باب المندب»، و«مضيق ملقا».
ويؤدي تهديد هذه الممرات إلى اضطرار شركات الشحن لاتخاذ طرق بديلة أطول وأكثر كلفة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار العالمية. وفي بعض الحالات، لا تتوفر بدائل فعالة، ما يجعل تعطيل هذه الممرات بمثابة خنق فعلي للإمدادات، وفق الصحيفة.
رغم أن الولايات المتحدة نجحت خلال العقد الماضي في التحول إلى أكبر منتج للنفط عالمياً بفضل طفرة النفط الصخري، فإن هذا التحول لم يمنحها حصانة كاملة من الصدمات الخارجية. فأسعار النفط تُحدد في سوق عالمي مترابط، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات، حتى خارج الولايات المتحدة، ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية، ويؤثر في الاقتصاد الأوسع.
وتؤكد الإدارة الأميركية أن تعزيز الإنتاج المحلي يبقى أداة مهمة لتقليل الاعتماد على الخارج، إلا أن التطورات الأخيرة تظهر أن السيطرة على الموارد وحدها لا تكفي إذا كانت طرق نقلها معرضة للتهديد.
في مواجهة هذه التحديات، اتجهت الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الصناعية، عبر تسريع خطوات تقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحيوية. وشملت هذه الجهود دفع شركات أشباه الموصلات العالمية، وفي مقدمتها شركة «تي إس إم سي» (TSMC) التايوانية، إلى إنشاء مصانع داخل الأراضي الأميركية، بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بأي صراع محتمل في آسيا قد يعطل سلاسل الإمداد.
كما أعلنت واشنطن عن إطلاق مشروع «فولت»، وهو صندوق مدعوم حكومياً بقيمة 12 مليار دولار لتخزين المعادن الحيوية للاستخدام الصناعي في حالات الطوارئ، بالتوازي مع إبرام اتفاقات مع شركات تعدين دولية لتأمين إمدادات مستقرة من المعادن النادرة، من بينها اتفاق مبدئي مع شركة «ليناس» الأسترالية لتأمين العناصر الأرضية النادرة «الثقيلة»، في سوق تبقى الصين اللاعب المهيمن فيه.
ولا تقتصر أدوات النفوذ على النفط والمعادن، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية أخرى، تشمل المكونات الدوائية والبطاريات وأشباه الموصلات، حيث تحتفظ الصين بموقع متقدم في سلاسل الإنتاج العالمية. ويعني ذلك أن أي قيود محتملة على الصادرات في هذه القطاعات قد تتسبب في اضطرابات واسعة النطاق في الصناعات العالمية، ما يعزز من ملامح «الحرب الاقتصادية» القائمة على التحكم في سلاسل الإمداد الحيوية.
تضع هذه التحولات صناع القرار أمام خيارات معقدة، إذ إن بناء بدائل للممرات أو سلاسل الإمداد يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً، بينما يظل الاعتماد على الردع العسكري خياراً محفوفاً بالمخاطر.
وفي هذا الإطار، قد تلجأ بعض الدول إلى استخدام الضغوط الاقتصادية بشكل متزايد، انطلاقاً من إدراك أن ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات قد يترجمان سريعاً إلى ضغوط سياسية داخلية في الاقتصادات المفتوحة.
وتشير التطورات الجارية إلى أن المنافسة بين القوى الكبرى لم تعد تُحسم فقط بالتكنولوجيا أو النفوذ المالي، بل عادت لتدور حول السيطرة على الموارد المادية والبنية الصناعية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
ومع استمرار التوترات، يتوقع أن يتزايد استخدام هذه الأدوات في الصراعات الدولية، في مرحلة قد تشهد تداخلاً أعمق بين الأمن الاقتصادي والعسكري، وتعيد رسم خريطة القوة العالمية على أسس أكثر ارتباطاً بالجغرافيا والموارد.