
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بتكلفتها العسكرية أو تأثيرها على أسواق الطاقة، بل باتت تمتد إلى عمق الاقتصاد الصناعي العالمي، حيث تتحول المعادن الاستراتيجية إلى عنصر حاسم في معادلة الصراع. ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برزت هذه المعادن كمؤشر مبكر على هذا التحول، مع تسجيل قفزات حادة في أسعارها، ما يعكس اختلالات متزايدة في سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير بيانات «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية» (USGS) إلى أن هذه الضغوط لا تعكس تقلبات ظرفية، بل تحولاً هيكلياً في أسواق المعادن، حيث لم تعد الموارد مجرد مدخلات إنتاج، بل أصبحت جزءاً من منظومة الأمن القومي، في ظل اعتماد الصناعات العسكرية الحديثة على شبكة معقدة من المواد المتخصصة.
من أبرز هذه المعادن «التنغستن» المستخدم في الذخائر الخارقة للدروع، و«التيتانيوم» في أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ، بينما يدعم «الزنك» البنية الصناعية الأوسع المرتبطة بالإنتاج العسكري والبنية التحتية.
برز «التنغستن» كأوضح مؤشر على هذا التحول، بعد أن سجّلت أسعاره ارتفاعاً بنحو 557% وفق بيانات «فاستماركتس» (Fastmarkets)، في واحدة من أسرع موجات الصعود في سوق المعادن خلال السنوات الأخيرة.
ووصل سعر مركّب أمونيوم بارا تنغستات (APT) إلى نحو 2,250 دولاراً للطن المتري، في قفزة تعكس نقصاً حاداً في المعروض العالمي، رغم أن حجم السوق لا يتجاوز نحو 16 مليار دولار، ما يبرز الفجوة بين حجمه الاقتصادي وأهميته الاستراتيجية.
ولا يرتبط هذا الارتفاع بالطلب فقط، بل بتركيبة السوق نفسها. فالصين، التي تهيمن على نحو 79% من الإنتاج العالمي بحسب «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية»، فرضت قيوداً على صادراتها، ما أدى إلى تقلص حاد في المعروض العالمي. وفي ظل غياب مشاريع إنتاج جديدة قادرة على الدخول السريع إلى السوق، تحولت هذه الصدمة إلى اختناق مستمر، وليس مجرد اضطراب مؤقت.
ويشير محللون في «بي إم أو كابيتال ماركتس» (BMO Capital Markets) إلى أن سوق «التنغستن» يفتقر إلى «المرونة»، ما يعني أن أي زيادة في الطلب، خصوصاً من القطاع الدفاعي، تتحول مباشرة إلى ضغط سعري طويل الأمد.
يكشف «التيتانيوم» عن بعد أكثر تعقيداً يتمثل في استنزاف القدرة الصناعية على إنتاج أنظمة الدفاع الجوي.
فهذه الأنظمة، مثل «القبة الحديدية»، تعتمد على صواريخ اعتراضية متقدمة تُصنّع باستخدام سبائك التيتانيوم، نظراً لخصائصه في تحمل الحرارة والضغط والسرعات العالية. ومع تصاعد وتيرة الاعتراضات، يتحول الاستهلاك من مخزون جاهز إلى دورة إنتاج مستمرة، تتطلب تدفقاً ثابتاً من المواد.
غير أن هذه السلسلة الإنتاجية تواجه قيوداً جيوسياسية واضحة. فروسيا، عبر شركة (VSMPO-AVISMA)، تُعد من أكبر الموردين عالمياً، بينما تبقى البدائل محدودة بسبب تعقيدات فنية تتعلق بتأهيل المواد للاستخدام في الصناعات الجوية، كما تظهر إفصاحات شركتي «إيرباص» (Airbus) و«بوينغ» (Boeing).
وفي هذا الإطار، لا تعني الحرب فقط استهلاك الصواريخ، بل الضغط على قدرة المصانع على إعادة إنتاجها، وهو ما يرفع كلفة الدفاع بشكل غير مباشر لكنه مستمر.
بعكس المعدنين السابقين، لا يُستخدم «الزنك» مباشرة في الأنظمة العسكرية المتقدمة، لكنه يمثل العمود الفقري للصناعات التي تدعم الاقتصاد الدفاعي.
ووفق بيانات «المجموعة الدولية لدراسة الرصاص والزنك» (ILZSG)، يُعد «الزنك» رابع أكثر المعادن استخداماً عالمياً، ويدخل في البنية التحتية والصلب والصناعات الثقيلة، ما يجعل أي اضطراب في إمداداته سريع الانتقال إلى النشاط الاقتصادي.
وتكمن الخطورة في الجغرافيا، إذ تمر كميات كبيرة من مركزات «الزنك» عبر الخليج، في وقت تعتمد فيه الصين، أكبر مستهلك عالمي، على إمدادات من إيران وعُمان وروسيا لتأمين نحو 280 ألف طن سنوياً.
ومع تصاعد التوترات في «مضيق هرمز»، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط ونحو 4–5% من تجارة السلع العالمية وفق «وكالة الطاقة الدولية» (IEA)، تتحول هذه المسارات إلى نقاط اختناق مباشرة، يمكن أن تنقل الصدمة من النقل إلى الإنتاج الصناعي.
ويشير محللون إلى أن أي انقطاع قد يدفع الأسعار للارتفاع بنسبة تتراوح بين 15% و25% على المدى القصير، مع علاوة مخاطر مستدامة تصل إلى 12%، في ظل غياب مخزونات استراتيجية قادرة على امتصاص الصدمات.
تكشف الأزمة الحالية عن خلل هيكلي في الاقتصاد العالمي يتمثل في غياب مخزونات استراتيجية للمعادن، مقابل وجود احتياطيات ضخمة للنفط.
ففي حين تستطيع الدول امتصاص صدمات الطاقة عبر الاحتياطيات، تنتقل صدمات المعادن مباشرة إلى الإنتاج والأسعار. وتشير تقارير «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) إلى أن هذا الغياب يمثل أحد أبرز نقاط الضعف في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على المعادن المتخصصة.
وفي مواجهة هذه التطورات، بدأت الشركات والحكومات بإعادة صياغة استراتيجياتها، مع توجه متزايد نحو تنويع مصادر التوريد بعيداً عن مناطق النزاع، وإعادة تشغيل مناجم قديمة، إلى جانب توقيع عقود طويلة الأجل مع دول أكثر استقراراً. كما تتزايد الدعوات لإنشاء مخزونات استراتيجية للمعادن، على غرار احتياطيات النفط.
ويعكس هذا التحول إعادة تسعير أوسع للمخاطر، حيث لم يعد الهدف الحصول على المواد بأقل تكلفة، بل ضمان توفرها تحت مختلف السيناريوهات. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب مخاطر الاعتماد على مصادر محدودة، يدفع نحو الانتقال من نموذج «الكفاءة» إلى نموذج «الأمان»، وهو ما يعيد رسم خريطة الاستثمار في قطاع التعدين وسلاسل الإمداد العالمية.
ولا تقتصر هذه الضغوط على الإنتاج، بل تمتد إلى النقل، حيث أدت التوترات في الخليج إلى ارتفاع أقساط التأمين على الشحن البحري، ما رفع تكلفة نقل المعادن حتى قبل حدوث نقص فعلي في الكميات، في ظل أهمية «مضيق هرمز» كنقطة اختناق رئيسية للتجارة العالمية.