المصافي تعمل قرب أقصى طاقتها
أوروبا تواجه شتاءً أكثر صعوبة

تحولت أزمة الطاقة العالمية من البحث عن النفط الخام إلى مطاردة الديزل، بعدما قفزت أسعاره إلى مستويات قياسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وسط نقص حاد في الإمدادات.
فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب متغيراً جديداً في الأزمة، بإعلانه تأييد وقف صادرات الديزل لخفض الأسعار المحلية، ما يهدد بسحب أحد أهم مصادر الإمدادات من سوق عالمي يعاني بالفعل شح الوقود.
ويضع الحظر المحتمل أسواق الطاقة أمام معادلة معقدة، إذ قد يمنح المستهلك الأميركي بعض الراحة مؤقتاً، لكنه يخفض تشغيل المصافي ويضغط على البنزين، بينما يدفع أوروبا لمنافسة أشد على البراميل المتاحة.
دفع صعود أسعار الوقود إدارة ترامب إلى دراسة تقييد صادرات الديزل، بعدما قال الرئيس الأميركي إنه يؤيد وقف الشحنات إلى الخارج، بينما يبحث فريقه خيارات تتراوح بين الحظر الكامل ووضع قيود على الكميات.
يبدو أثر الخطوة للوهلة الأولى مباشراً، إذ يؤدي إبقاء مزيد من الديزل داخل الولايات المتحدة إلى زيادة المعروض المحلي، غير أن قيود خطوط الأنابيب والشحن تمنع انتقال فائض ساحل الخليج بسهولة إلى جميع مناطق البلاد.
وتحذر تقديرات «إس آند بي غلوبال» من أن الحظر الكامل قد يخفض تشغيل المصافي الأميركية بنحو 1.9 مليون برميل يومياً، ويقلص إنتاج البنزين بنحو 750 ألف برميل يومياً.
تعمل المصافي الأميركية قرب 97% من طاقتها، ما يترك هامشاً محدوداً للغاية أمام زيادة الإنتاج، بينما يوفر الطلب الخارجي منفذاً مهماً للكميات التي لا تستطيع السوق المحلية استيعابها في مناطق الإنتاج.
ويرى الباحث في اقتصاديات الطاقة لدى «بيكر إنستيتيوت»، كينيث ميدلوك، أن الحظر قد يخفض أسعار الديزل لفترة قصيرة، قبل أن يدفع المصافي إلى تقليص التشغيل مع انكماش الأسواق المتاحة أمام إنتاجها.
ويعني خفض التشغيل إنتاج كميات أقل من جميع المشتقات، وليس الديزل وحده، وهو ما قد يضع أسعار البنزين ووقود الطائرات تحت ضغط صعودي، ويبدد جانباً من المكاسب التي يستهدفها الحظر.
تأتي المفارقة من طبيعة عمل المصافي، إذ لا يمكن زيادة أو خفض إنتاج الديزل بمعزل عن بقية المنتجات، لأن معالجة برميل النفط تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات ومشتقات أخرى.
وتحذر «إس آند بي غلوبال» من أن توقف تصدير الديزل سيجبر مصافي ساحل الخليج على خفض معدلات التشغيل، بعدما أصبحت الأسواق الخارجية جزءاً أساسياً من منظومة تصريف إنتاجها المتزايد.
قد يؤدي تراجع تشغيل المصافي بنحو 1.9 مليون برميل يومياً إلى خفض إنتاج البنزين بنحو 750 ألف برميل يومياً، ما يضيف خطراً جديداً على سوق الوقود الأميركي بدلاً من معالجة أزمة الديزل وحدها.
يدفع خطر النتائج العكسية خيار الحصص التصديرية إلى مقدمة البدائل المطروحة، إذ ترى شركة الخدمات المالية «تي دي كوين» أن فرض قيود كمية يبدو أكثر احتمالاً من إغلاق باب الصادرات بالكامل.
ويقدر محلل «تي دي كوين»، جيسون غابلمان، أن تقييد الصادرات لمدة شهرين قد يخفض سعر الديزل بنحو 16 دولاراً للبرميل، ويضغط على هوامش التكرير بنحو 11 دولاراً للبرميل.
يرى غابلمان أن تراكم المخزونات قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الانخفاض، إلا أن استجابة المصافي بخفض التشغيل أو تعديل مزيج الإنتاج قد تحد من قدرة القيود على إبقاء الأسعار منخفضة لفترة طويلة.
تكشف قفزة الديزل أن نقطة الاختناق الأشد في سوق الطاقة لم تعد تقتصر على إمدادات الخام، وإنما امتدت إلى قدرة المصافي على تحويل البراميل المتاحة إلى الوقود الذي يحتاج إليه الاقتصاد العالمي.
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن صادرات الديزل الصافية من الخليج وروسيا مجتمعة هبطت في أغسطس بنحو 1.6 مليون برميل يومياً مقارنة بفبراير، بعدما كان الطرفان يمثلان حصة كبيرة من التجارة البحرية العالمية.
ويرى المدير التنفيذي لدى «إس آند بي غلوبال إنرجي»، كريم فواز، أن انخفاض المخزونات ومحدودية الطاقة التكريرية الفائضة يتركان السوق أمام فترة صعبة، خصوصاً مع اقتراب موسم ارتفاع الطلب الشتوي.
رفعت المصافي الأميركية صادراتها للاستفادة من النقص العالمي والأسعار القياسية، لتصبح الولايات المتحدة مصدراً رئيسياً لتعويض جزء من البراميل التي فقدتها الأسواق بعد اضطراب الإمدادات الروسية والخليجية.
وقفزت صادرات الديزل الأميركية إلى مستوى قياسي بلغ 1.6 مليون برميل يومياً خلال أغسطس، مع توجه شحنات إلى أسواق تشمل البرازيل وتشيلي والمكسيك وبيرو والمغرب وفرنسا وبريطانيا.
في المقابل، تبلغ مخزونات نواتج التقطير الأميركية نحو 96.97 مليون برميل، أي أقل بنحو 13% من متوسط السنوات الخمس، ما يفسر الضغوط الداخلية التي دفعت واشنطن إلى التفكير في تقييد الصادرات.
تواجه أوروبا الجانب الآخر من معادلة الحظر، إذ تعاني القارة عجزاً هيكلياً في الديزل وتعتمد على الواردات لتعويض الإنتاج المحلي، بينما تقلصت بالفعل الإمدادات الآتية من روسيا والشرق الأوسط.
وهبطت صادرات الديزل من الشرق الأوسط إلى النصف تقريباً بين مارس وأغسطس مقارنة بالفترة نفسها قبل عام، بعدما كانت المنطقة توفر نحو 41% من واردات أوروبا خلال 2025.
ويحذر محلل «كيبلر»، جورج شو، من أن أي اضطراب إضافي في تدفقات البحر الأحمر سيزيد الضغوط على سوق يعاني شح الإمدادات، ما يجعل فقدان البراميل الأميركية أكثر تأثيراً على المشترين الأوروبيين.
تزداد حساسية السوق مع اقتراب الشتاء، بعدما بلغ متوسط صادرات الديزل العالمية نحو 5.85 مليون برميل يومياً في أغسطس، منخفضاً بنحو 25% على أساس سنوي، بالتزامن مع تراجع المخزونات.
وتقول وكالة الطاقة الدولية إن المصافي العالمية رفعت معدلات التشغيل لتعويض الإمدادات المفقودة، إلا أن محدودية الطاقة الفائضة تجعل السوق أكثر عرضة لأي تعطل جديد في الإنتاج أو حركة الشحن.
ويرى «إس آند بي غلوبال» أن شح الطاقة التكريرية والمخزونات المنخفضة سيبقيان سوق المنتجات المكررة تحت الضغط، فيما قد يحدد القرار الأميركي ما إذا كانت أزمة الديزل ستظل أزمة أسعار أم تتحول إلى نقص أوسع في الإمدادات.