
دفعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أمن صادرات الطاقة إلى صدارة أولويات دول الخليج، بعد أن كشفت هشاشة الاعتماد على «مضيق هرمز»، المنفذ الرئيسي لتدفقات النفط إلى الأسواق العالمية. وأعاد ذلك إحياء سباق استثماري في البنية التحتية لخطوط الأنابيب، بهدف تنويع بدائل التصدير وتقليص المخاطر الجيوسياسية التي أصبحت جزءاً من حسابات شركات النفط والدول المنتجة.
ومع تزايد احتمالات تعرض الملاحة في المضيق لاضطرابات متكررة، لم تعد مشاريع خطوط الأنابيب البديلة مجرد توسعات في الطاقة الاستيعابية، بل تحولت إلى أصول استراتيجية تهدف إلى تعزيز مرونة منظومة التصدير وضمان استمرار تدفقات الخام حتى في سيناريوهات تعطل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
غير أن الانتقال من الخطط إلى التنفيذ ليس مهمة سهلة. فخطوط الأنابيب من أكثر مشاريع البنية التحتية تعقيداً وكلفة، إذ تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وسنوات من أعمال الإنشاء، بينما تواجه المشاريع العابرة للحدود تحديات إضافية تتعلق بالاتفاقيات السياسية والتنظيمية والتنسيق بين الدول.
وبحسب تقرير لموقع AGBI، لدى الخليج نحو عشرة مشاريع مقترحة لإنشاء أو توسعة خطوط أنابيب، إلا أن فرص تنفيذها تختلف بصورة كبيرة، إذ تتمتع المشاريع التي تعتمد على بنية تحتية قائمة أو تقع بالكامل داخل حدود الدولة بفرص أعلى، مقارنة بالمشاريع الإقليمية التي تتطلب توافقاً سياسياً واستثمارات مشتركة.
يتصدر مشروع «غرب-شرق1» في الإمارات قائمة المشاريع الأكثر تقدماً، إذ يستهدف مضاعفة القدرة على نقل النفط الخام من حبشان إلى «ميناء الفجيرة»، بما يعزز صادرات الدولة عبر مسار يتجاوز «مضيق هرمز».
وسيُنفذ الخط الجديد بمحاذاة خط الأنابيب الحالي، الذي تبلغ طاقته نحو 1.8 مليون برميل يومياً، والذي مثل خلال الأزمة الأخيرة شرياناً رئيسياً لصادرات النفط الإماراتية. ومن المتوقع أن يؤدي المشروع الجديد إلى مضاعفة الكميات التي يمكن تصديرها عبر ميناء الفجيرة.
يكتسب المشروع أفضلية واضحة لأنه دخل بالفعل مرحلة الإنشاء، إذ أعلن الرئيس التنفيذي لـ«شركة بترول أبوظبي الوطنية - أدنوك» في مايو الماضي أن أكثر من نصف الأعمال قد اكتملت.
وقال إريك سوساي، محلل الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة «ويلينغنس» (Welligence)، إن الإمارات تسرّع تنفيذ المشروع بهدف تشغيله خلال عام 2027، ما يجعله أقرب مشاريع خطوط الأنابيب الخليجية إلى الاكتمال.
إلى جانب الإمارات، تتوسع السعودية في مشروع خط الأنابيب «شرق–غرب» الممتد إلى «ميناء ينبع» على البحر الأحمر.
وتبلغ الطاقة الحالية للخط نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما قد تضيف التوسعة المقترحة نحو مليوني برميل يومياً، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز».
ورغم عدم اتضاح الشكل النهائي للمشروع أو ما إذا كان سيقتصر على نقل النفط الخام، فإنه يستفيد من اعتماده على ممر قائم، ما يقلص كلفة التنفيذ ويحد من التعقيدات المرتبطة بإنشاء مسار جديد، كما أنه مشروع محلي لا يتطلب تنسيقاً مع دول أخرى.
إلا أن تطوير هذا المسار لا يلغي المخاطر بالكامل، إذ أظهرت الهجمات التي نفذها الحوثيون المدعومون من إيران ضد الملاحة في البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية أن صادرات النفط عبر ميناء ينبع تظل معرضة لمخاطر أمنية.
يسعى العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط عبر مجموعة من المشاريع التي تستهدف تقليل الاعتماد على «مضيق هرمز» وربط حقول الجنوب بمنافذ بديلة على البحر المتوسط.
في هذا الإطار، وافقت الحكومة العراقية على تكليف شركة نفط البصرة بتوقيع عقد خدمات استشارية مع شركة «كيه بي آر» (KBR) الأميركية لإعداد دراسة جدوى لخط أنابيب يربط حديثة بالبصرة.
لا يقتصر دور هذا المشروع على إنشاء مسار جديد، بل يمكن أن يشكل محوراً رئيسياً لخطوط تصدير أكبر تدرسها حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
ويُعد العراق، إلى جانب الكويت، من أكثر الدول الخليجية تعرضاً لتداعيات أي إغلاق طويل لـ«مضيق هرمز». ورغم امتلاك بغداد خط أنابيب يصل إلى تركيا، فإن طاقته الحالية لا تتجاوز نحو 200 ألف برميل يومياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 750 ألف برميل يومياً على المدى القريب.
كما وقعت شركة نفط البصرة اتفاقاً أولياً مع تحالف يضم شركة «شيفرون» (Chevron) لدراسة إنشاء خطين جديدين؛ أحدهما يربط البصرة بـ«ميناء جيهان» التركي، والآخر يمتد إلى «ميناء بانياس» السوري، في إطار توجه يمنح العراق خيارات تصدير مباشرة إلى البحر المتوسط.
أما المقترح الذي طرحته وزارة النفط العراقية في ديسمبر الماضي لإنشاء خط أنابيب يصل إلى سلطنة عُمان، فلم يشهد أي تطورات معلنة خلال الفترة الأخيرة، ما يشير إلى أن بغداد باتت تمنح الأولوية للمنافذ المتوسطية.
تبقى الكويت الأكثر اعتماداً على «مضيق هرمز» بين الدول الخليجية المنتجة للنفط، نظراً إلى غياب أي خطوط أنابيب عابرة للحدود تتيح لها تصدير الخام عبر مسارات بديلة.
وكان الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة البترول الكويتية»، الشيخ نواف سعود الصباح، قد أعلن خلال مؤتمر للمجلس الأطلسي في يونيو الماضي أن بلاده تجري مباحثات مع السعودية بشأن خيارات بديلة، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
ومن بين الخيارات المطروحة ربط الكويت بخط الأنابيب السعودي «شرق–غرب»، إلا أن هذا السيناريو لم يحصل حتى الآن على تأكيد رسمي.
كما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار قوله إن الكويت تستطيع الانضمام إلى مشروع «جيهان–البصرة» إذا رغبت في ذلك، غير أن تنفيذ مشروع بهذا الحجم يتطلب تنسيقاً سياسياً وفنياً واستثمارياً بين عدة دول.
وقال نيك هولاند، من شركة «مارش» (Marsh) للاستشارات وإدارة المخاطر، إن مشاريع خطوط الأنابيب العابرة للحدود تستغرق عادة وقتاً أطول، نظراً إلى ضرورة التفاوض على اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بالتوازي مع الأعمال الهندسية.
وأضاف أن خطوط الأنابيب البحرية تتطلب أيضاً مسوحات دقيقة لقاع البحر، وسفناً متخصصة في التركيب، وموافقات تنظيمية، وتنفيذ الأعمال ضمن نوافذ زمنية تفرضها الظروف الجوية.
ورأى هولاند أن هذه المشاريع تمثل فرصة لتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي، بما يرفع مرونة البنية التحتية للطاقة ويزيد القيمة الاقتصادية لمواردها الطبيعية.
في المقابل، لا تزال بعض المشاريع الأخرى أقرب إلى خيارات استراتيجية طويلة الأجل منها إلى مشاريع جاهزة للتنفيذ.
ومن بينها مشروع «خط الأنابيب العراقي–السعودي» (IPSA)، الذي توقف عن العمل منذ عام 1990. ورغم أن وزارة النفط العراقية أعادت الإشارة إليه في وقت سابق من هذا العام، فإن أي مفاوضات رسمية بشأن إحيائه لم تُعلن حتى الآن.
كما عاد الحديث عن إمكانية إعادة تشغيل «خط الأنابيب العربي التاريخي» (Tapline)، الذي أنشأته «أرامكو» عام 1950 لنقل النفط من شرق السعودية إلى مدينة صيدا اللبنانية، قبل أن يتوقف نهائياً عام 2001.
وأفادت وسائل إعلام سورية في مارس الماضي بأن مسؤولين يدرسون إعادة تشغيل الخط مع تعديل مساره لينتهي داخل الأراضي السورية بدلاً من امتداده إلى لبنان.
ويقول إريك سوساي إن البنية الأساسية للخط لا تزال في حالة جيدة نسبياً، لكنها تحتاج إلى تحديث شامل، محذراً من أن أي تجدد للصراعات في سوريا أو لبنان قد يشكل عائقاً رئيسياً أمام إعادة تشغيله.