واشنطن وطهران تتبادلان روايات متناقضة بشأن المضيق
الناقلات تواجه مخاطر أمنية وتأميناً مرتفع التكلفة

تواجه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اختباراً جديداً مع تعثر المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدم وجود محادثات جارية أو مقررة مع طهران، بينما تؤكد إيران أن المضيق لا يزال مغلقاً أمام الملاحة حتى تنفيذ شروط الاتفاق المؤقت.
تأتي التطورات بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، دون التوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب، ما يترك شركات الشحن أمام بيئة أمنية أكثر غموضاً، ويزيد مخاطر عودة التصعيد إلى أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
أشارت بيانات صادرة عن شركة «كيبلر» إلى أن ست سفن محملة بسلع أولية عبرت المضيق منذ أمس الثلاثاء وحتى الساعة الـ02:58 بتوقيت غرينتش اليوم الأربعاء، انخفاضاً من تسع سفن في اليوم السابق، وأقل من متوسط 10 أيام البالغ 11 سفينة.
يأتي ذلك في وقت كان يَعبر عبر المضيق ما يزيد على 20% من إمدادات الطاقة العالمية قبل الحرب وما لا يقل عن 130 سفينة يومياً.
عمق من خطورة الأزمة تهديدات جماعة الحوثي اليمنية المؤيدة لإيران لعبور ناقلات النفط والغاز التي تعبر من مضيق باب المندب الذي كان مسؤولاً قبل الحرب عن عبور ما يقرب من 8% من إمدادات الطاقة العالمية.
ولا تزال هذه المستويات أدنى بكثير من المتوسطات المعتادة، كما لم تسجل البيانات عبور ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال؛ ما يعكس استمرار إحجام كبار مشغلي السفن عن المخاطرة بالعبور رغم بقاء الممر مفتوحاً من الناحية النظرية.
يقول ترامب إن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بشكل طبيعي»، بينما يؤكد الجانب الإيراني أن الملاحة لن تعود إلى طبيعتها قبل تنفيذ واشنطن شروط الاتفاق المؤقت، بما يشمل رفع الحصار والعقوبات ووقف العمليات العسكرية.
وهذا التناقض لا يمثل خلافاً سياسياً فقط، بل يخلق مشكلة عملية لشركات النقل؛ فقرار عبور ناقلة أو سفينة لا يعتمد على التصريحات الرسمية وحدها، وإنما على تقييم المخاطر الأمنية والتأمين وإمكانية وصول الطاقم والبضائع إلى وجهتها.
يعني ذلك أن الفارق بين «فتح المضيق» و«عودة الملاحة الطبيعية» أصبح أكثر وضوحاً؛ فالممر المائي قد يكون مفتوحاً من الناحية الرسمية، لكن شركات الشحن قد تتعامل معه باعتباره منطقة عالية المخاطر لا تستحق تكلفة العبور.
تعززت المخاوف بعد تعرض سفينة أثناء خروجها من المضيق لمقذوف مجهول؛ ما أدّى إلى أضرار في غرفة المحركات وإصابة أحد أفراد الطاقم، وفق بيانات وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية.
يأتي الحادث في وقت أعلنت فيه الإمارات رصد إطلاق صاروخين باليستيين من إيران، قالت إنهما استهدفا حركة الملاحة البحرية قبل سقوطهما في البحر، بينما نفت طهران هذه الاتهامات.
وتزيد هذه التطورات صعوبة تقييم المخاطر أمام شركات الشحن، خصوصاً أن السفن التجارية أصبحت مطالبة بالتعامل مع احتمال تعرضها لهجوم مباشر، حتى في ظل غياب إعلان رسمي بإغلاق المضيق.
لا تتوقف مشكلة الملاحة عند احتمال تعرض السفن للهجمات؛ فارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب يمثل عائقاً إضافياً أمام عودة الحركة إلى مستوياتها الطبيعية.
أظهرت بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب ارتفعت بشكل حاد مع تصاعد التوترات، فيما أصبحت شركات التأمين أكثر انتقائية في توفير التغطية للسفن التي تعبر المناطق الأكثر خطورة.
ويضيف ارتفاع تكلفة التأمين عبئاً مباشراً على شركات النقل، إذ تصبح الرحلة عبر هرمز أكثر تكلفة حتى في حال عدم وقوع هجوم؛ ما يدفع بعض المشغلين إلى تأجيل الرحلات أو البحث عن ترتيبات بديلة.
تبدو ناقلات المنتجات النفطية أكثر حساسية لتكاليف التأمين من ناقلات الخام العملاقة؛ إذ أشارت شركة الوساطة البحرية BRS إلى أن أقساط مخاطر الحرب قد تمثل رادعاً أكبر للسفن الأصغر التي تنقل المنتجات النفطية.
بحسب بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال»، تراوحت أقساط مخاطر الحرب خلال الحرب بين نحو 7% و9% من قيمة ناقلات المنتجات النفطية النظيفة، مقارنة بنحو 5% و5.75% لناقلات الخام.
وهذا الفارق قد يجعل بعض مشغلي ناقلات المنتجات النفطية أكثر ميلاً إلى تجنب المنطقة، خصوصاً عندما تكون قيمة الشحنة أو هامش الربح غير كافيين لتعويض ارتفاع تكلفة التأمين والمخاطر التشغيلية.
تحاول شركات الشحن تقليل المخاطر باستخدام المسارات المتاحة خارج نقاط الخطر، إلى جانب إعادة ترتيب عمليات التحميل والتفريغ ونقل بعض الشحنات من سفينة إلى أخرى خارج المناطق الأكثر خطورة.
لكن هذه البدائل لا تستطيع تعويض الطاقة الاستيعابية لمضيق هرمز بالكامل، الذي كان يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتخفف المسارات البديلة من أثر الإغلاق، لكنها لا تلغي الصدمة؛ فكل برميل أو شحنة يجري تحويل مسارها يحتاج إلى وقت وتكلفة وتأمين ونقل إضافي؛ ما يرفع تكلفة وصول الطاقة إلى الأسواق.
تكشف تحركات شركات الشحن الصينية حجم المخاطر التي أصبحت تواجهها الملاحة؛ إذ اتجهت بعض الشركات إلى نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى خارج الخليج بدلاً من الاعتماد بصورة كاملة على المرور عبر نقاط الاختناق البحرية.
ويعكس هذا السلوك تحولاً مهماً في قرارات شركات النقل؛ فالمشغلون لا ينتظرون بالضرورة إغلاق المضيق فعلياً، وإنما يتخذون قراراتهم بناءً على مستوى المخاطر المتوقعة وتكلفة التأمين وإمكانية استمرار الرحلة بأمان.
أصبح مستقبل الملاحة مرتبطاً بصورة مباشرة بمسار التفاوض بين واشنطن وطهران، بعدما كان الاتفاق المؤقت فتح الباب أمام استعادة حركة الشحن تدريجياً.
لكن انتهاء المهلة من دون اتفاق أعاد المخاطر إلى الواجهة؛ فالولايات المتحدة تقول إنها قادرة على استمرار الحصار البحري، بينما تربط إيران إعادة فتح المضيق بتنفيذ شروط سياسية واقتصادية وأمنية.
ويرى محللو «إيه إن زد ريسيرتش» أن استمرار التوترات حول هرمز قد يؤدي إلى اضطرابات متواصلة في إمدادات النفط العالمية، في وقت أصبحت فيه قدرة السوق على امتصاص الصدمة مرتبطة بسرعة إعادة تدفق الشحنات عبر الممر.
تنعكس حالة عدم اليقين سريعاً على سوق النفط؛ إذ يقترب خام برنت من 92 دولاراً للبرميل مع تجدد المخاوف بشأن الملاحة، بعدما وصل خلال الحرب إلى ذروة بلغت 126 دولاراً.
ولا يحتاج السوق إلى توقف كامل للمضيق حتى تقفز الأسعار؛ فمجرد انخفاض عدد السفن وارتفاع مخاطر التأمين والشحن وتأجيل الرحلات يكفي لرفع علاوة المخاطر، خصوصاً إذا بدأت شركات النقل في تجنب المنطقة لفترات أطول.
كما تزداد حساسية السوق مع كل انخفاض في عدد الناقلات العابرة؛ لأن تقلص الحركة يعني عملياً انخفاض كمية النفط والغاز التي يمكن نقلها من الخليج إلى الأسواق في كل يوم.
تبدو حركة الملاحة أمام مفترق طرق؛ فإمّا أن تعود واشنطن وطهران إلى التفاوض وتقدما ضمانات أمنية تسمح لشركات الشحن بإعادة تشغيل الرحلات تدريجياً، وإمّا يستمر المضيق في العمل بصورة جزئية وتحت مخاطر مرتفعة.
في الحالة الثانية، لن يكون السؤال فقط: هل «هرمز» مفتوح أو مغلق؟ بل كم سفينة تستطيع العبور فعلياً، وكم ستدفع مقابل ذلك، ومن يتحمل مخاطر الرحلة والتأمين؟.
مع غياب المحادثات واستمرار الروايات المتناقضة بين واشنطن وطهران، تبدو الملاحة التجارية الخاسر المباشر؛ فحتى إذا بقي المضيق مفتوحاً نظرياً، فإن هبوط حركة السفن إلى خانة الآحاد يعني أن الممر المائي يعمل على الورق، لكنه لا يعمل بالطاقة التي يحتاجها الاقتصاد العالمي.
بالمقابل فإن الخطر الأكبر أن يتحول هذا الوضع من تعطيل مؤقت للملاحة إلى نموذج تشغيل جديد مرتفع التكلفة، تدفع فيه شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة ثمن غياب التسوية السياسية.
في النهاية، قد لا يحتاج مضيق هرمز إلى إغلاق رسمي حتى يتحول إلى أزمة؛ فاستمرار العبور عند مستويات منخفضة، وارتفاع التأمين، وإحجام الناقلات الكبرى عن المخاطرة، كلها مؤشرات على أن الملاحة يمكن أن تتوقف اقتصادياً قبل أن تتوقف جغرافياً.
وهنا تكمن أهمية الأيام المقبلة؛ فإذا واصت المفاوضات توقفها وبقيت الهجمات والتهديدات قائمة، فقد يصبح تراجع حركة السفن في «هرمز» واقعاً مستداماً، حتى من دون إعلان رسمي بإغلاق المضيق.