العجز وإصدارات الديون يضغطان على السندات طويلة الأجل
ارتفاع النفط والتضخم وعوائد اليابان تزيد مخاطر تكلفة السندات

شهدت عوائد سندات الخزانة الأميركية، اليوم الثلاثاء، موجة ارتفاعات جماعية، مع تجدد التصعيد حول مضيق هرمز، وذلك رغم البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة التي كان من المتوقع عادةً أن تدفع العوائد إلى الانخفاض.
وارتفعت أسعار النفط مع انتهاء مهلة الستين يوماً الممنوحة للولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق سلام، أمس الاثنين، في حين استبعدت واشنطن وطهران إمكانية تمديدها، مع عودة استهداف السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز.
وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً بأكثر من 4 نقاط أساس إلى 5.311%، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ يونيو 2007. وتجاوز العائد لاحقاً 5.32% مع استمرار الضغوط على السندات طويلة الأجل.
وفي الوقت ذاته، أفادت وزارة الخزانة الأميركية، يوم الاثنين، بأن حيازات الأجانب من سندات الخزانة انخفضت في يونيو؛ إذ خفضت كل من المملكة المتحدة والصين واليابان، وهي أكبر حائزي هذه السندات، حيازاتها.
شهدت عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعاً عبر مختلف الآجال، وفقاً لبيانات بورصة لندن، وتراوح معدل الزيادة بين نقطتين و4 نقاط أساس، وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً السحاسة للمخاطر الجيوسياسية، بأكثر من 4 نقاط أساس إلى 5.311%، وهو أعلى مستوى له منذ يونيو 2007.
سجل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار الرئيس لتسعير الرهون العقارية وقروض السيارات وديون بطاقات الائتمان، ارتفاعاً بأكثر من نقطتين أساسيتين إلى 4.724%.
ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين، الذي يتفاعل عادةً مع توقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بأكثر من نقطة أساس واحدة إلى 4.182%، ونقطة الأساس الواحدة تساوي 0.01%، أو 1/100 من 1%، وتتحرك العوائد وأسعار السندات في اتجاهين متعاكسين.
قال الاستراتيجي الفني لدى «فاند ستارت»، مارك نيوتن: «من المرجح أن ترتفع العوائد طويلة الأجل إلى 5.60%-5.70%، ومن المرجح أن ترتفع بوتيرة أسرع من المعتاد، نظراً للشكل الأخير لنمط المثلث الذي استمر ثلاث سنوات».
وكانت مبيعات التجزئة في يوليو هي الأضعف منذ مايو 2025، في حين أشارت بيانات سوق العمل الأخيرة أيضاً إلى تباطؤ فاق تقديرات الأسواق، في الوقت الذي جاءت فيه بيانات التضخم معتدلة؛ ما دفع الأسواق إلى خفض توقعات رفع الفائدة.
أشار نيوتن إلى تأثير بيانات النمو الضعيفة في اليابان، وأنها أشعلت فتيل الصعود؛ إذ جاء النمو الاقتصادي أضعف من المتوقع، مصحوباً بانخفاض حاد في معدل الناتج المحلي الإجمالي.
وقال نيوتن في مذكرة: «ارتفعت عوائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 و20 عاماً؛ ما عزز الضغوط على السندات طويلة الأجل في الأسواق العالمية ودفع العوائد الأميركية إلى مستويات مرتفعة جديدة».
وتأتي هذه التحركات في وقت سجل فيه عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ 1996، بينما ارتفعت عوائد السندات الأطول أجلاً أيضاً؛ ما يزيد الضغوط على أسواق السندات العالمية.
قال خبراء السندات لدى بورصة لندن إنه إذا استمرت العوائد في الأسواق المتقدمة الرئيسة الأخرى في الارتفاع، فقد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بسندات الدين الحكومية الأميركية أيضاً.
وأشار محللو استراتيجيات بنك «مونتريال» (BMO) إلى المخاوف المالية في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة وأوروبا كأحد العوامل المحتملة وراء الضعف الأخير في سندات الخزانة طويلة الأجل.
وكتب محللو «مونتريال» في مذكرة: «حتى في حال تراجع البيانات الاقتصادية الأميركية، فإن إعادة تقييم تكاليف الاقتراض طويلة الأجل عالمياً قد تُبقي الضغط التصاعدي على عوائد سندات الخزانة».
أشار «دويتشه بنك» في مذكرة إلى أن الأسواق تقيّم حالياً مزيجاً غير معتاد من المؤشرات الإيجابية: نمو قوي ومستويات قياسية لأسعار الأسهم، لا يحدّها سوى تشديد إضافي للسياسة النقدية من جانب البنوك المركزية، واضطرابات محدودة في إمدادات السلع.
ويرى خبراء «دويتشه بنك» أن هذا المزيج قد يصعب الحفاظ عليه، وكتب هنري ألين، استراتيجي الاقتصاد الكلي لدى البنك: «بحكم التعريف، فإن النمو القوي والأصول الخطرة المزدهرة تعني أن الظروف المالية ستظل مواتية، مما يزيد الطلب ويدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل أسرع».
وقال ألين: «إذا استمر النمو قوياً وظلت الأوضاع المالية متساهلة، فقد يظل الطلب قوياً بما يكفي للحفاظ على ارتفاع التضخم وإجبار الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة أكثر مما يتوقعه المستثمرون حالياً».
حذر خبراء بنك «مونتريال» من مخاطر مرتبطة بالسندات طويلة الأجل، إذ قد يطالب المستثمرون بتعويض أكبر مقابل إقراض الحكومة الأميركية لعقود.
ويُعد ارتفاع حجم إصدارات سندات الخزانة أحد عوامل الضغط على السندات طويلة الأجل، فيما أشار بنك «مونتريال» إلى أن أحدث مزاد لسندات لأجل 30 عاماً سجل أعلى عائد له منذ عام 2001.
وفي المقابل، شهدت خمسة من المزادات السبعة السابقة لسندات الخزانة لأجل 20 عاماً طلباً أضعف من المتوقع، في إشارة إلى فتور الإقبال على الديون طويلة الأجل.
وقد يضيف التضخم طبقة أخرى من الضغط، وقال الاستراتيجيون في بنك «مونتريال»: «لا تزال الطاقة عاملاً محتملاً لانخفاض أسعار سندات الخزانة، لا سيما أن العوائد لم تُظهر رغبة تُذكر في الانخفاض رغم ضعف البيانات الاقتصادية».
وتؤكد أحدث المزادات أن تكلفة الاقتراض طويل الأجل أصبحت محوراً رئيساً في سوق الخزانة؛ إذ سجل مزاد سندات الـ30 عاماً الأخير عائداً بلغ نحو 5.22%، وهو الأعلى منذ 2001.
حذر «دويتشه بنك» من أن التأثير السلبي لكل من النمو والتضخم قد يطال الأسهم والسندات في آن واحد، في حين من شأن صدمة جديدة في أسعار السلع أن تزيد الوضع تعقيداً.
وقال خبراء البنك: «أسعار السوق الحالية لا تترك مجالاً للخطأ تقريباً».
وقال ألين من «دويتشه بنك»: «في الوقت الحالي، هذا يجعل سندات الخزانة طويلة الأجل عرضة للخطر من عدة اتجاهات في آن واحد: ارتفاع العوائد العالمية، واقتصاد قد يثبت أنه أقوى من المتوقع، والمخاوف المستمرة بشأن التضخم وعرض الديون».
يرى الاستراتيجيون في بنك «باركليز» أن ارتفاع العوائد لا يتعلق بالتضخم وحده، وإنما يرتبط أيضاً بعوامل أخرى، من بينها:
قال رئيس قسم أبحاث أسعار الفائدة الأميركية في «باركليز كابيتال»، أنشول برادان، في مذكرة: «الأمر اللافت اليوم ليس وجود هذه الضغوط، بل أنها تبدو قوية بما يكفي للتغلب على البيانات الاقتصادية الفردية غير المؤكدة».
وأضاف برادان: «أشارت ثلاثة بيانات مستقلة، هي التضخم والوظائف ومبيعات التجزئة، إلى انخفاض العائدات هذا الشهر، ومع ذلك ارتفعت العائدات طويلة الأجل».
وتتزامن هذه الضغوط مع موجة اقتراض كبيرة من شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؛ ما يضيف منافسة على أموال المستثمرين في سوق الدخل الثابت.
أفادت وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الماضي بأن عجز الموازنة الأميركية بلغ أعلى مستوى شهري له منذ أكثر من خمس سنوات، حيث ساهمت تكاليف برنامج الرعاية الصحية لكبار السن «ميديكير» المتزايدة وفوائد الدين الفيدرالي في هذا الارتفاع.
وسجل إجمالي عجز الموازنة الفيدرالية الأميركية خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026 نحو 1.799 تريليون دولار، متجاوزاً إجمالي عجز العام المالي السابق بأكمله.
كتب كبير استراتيجيي السوق في شركة «ميربرايز»، أنتوني ساغليمبين، في مذكرة: «نعتقد أن المستثمرين يقومون بشكل متزايد بتقييم سندات الخزانة من خلال عدسة الاستدامة المالية طويلة الأجل، وبشكل أقل من خلال عدسة التضخم والسياسة النقدية والنمو، على الأقل بالنسبة إلى الجزء الأطول من منحنى سندات الخزانة».
قال ساغليمبين: «تكشف حركة السندات طويلة الأجل عن تحول مهم في طريقة تسعير السوق للدين الأميركي. فحتى مع ضعف بعض مؤشرات النمو واعتدال التضخم، لم تعد توقعات السياسة النقدية وحدها المحرك الرئيس للعوائد».
وأضاف: «تتداخل الآن مخاوف العجز والإصدارات الكبيرة للديون مع ارتفاع العوائد العالمية، وتزايد علاوة الأجل، واحتمال عودة ضغوط الطاقة؛ ما يجعل المستثمرين يطلبون عائداً أعلى للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل».
وبذلك، فإن وصول عائد سندات الـ30 عاماً إلى أعلى مستوى منذ 2007 لا يمثل مجرد رهان على مسار الفائدة، بل يعكس سؤالاً أوسع بشأن قدرة السوق على استيعاب المعروض المتزايد من الدين الأميركي من دون رفع تكلفة الاقتراض الحكومي.
وهنا تكمن مشكلة واشنطن: فكلما طال أجل الدين، أصبحت تكلفة الاقتراض أكثر حساسية لعوامل تتجاوز قرارات الفيدرالي، من العجز والمعروض العالمي للسندات إلى علاوة الأجل ومخاطر التضخم. وإذا استمر هذا الضغط، فقد يصبح ارتفاع العوائد الطويلة قيداً على السياسة المالية والاقتصاد الأميركي معاً.