
ترقب كبير لمستقبل أسعار النفط في الأسواق مع تصاعد حرب إيران وسط مخاوف من استمرارها فترة أطول، ما يفتح الباب لسيناريوهات متعددة قد تضغط على الاقتصاد العالمي وتعيد تشكيل معادلات الطاقة.
ارتفع خام برنت بنحو 28% مقارنة بإغلاق الأسبوع الماضي قبل اندلاع الحرب بيوم واحد، عندما سجل نحو 72.48 دولاراً للبرميل، ليصل في تداولات السبت لمستويات فوق 92 دولاراً، وهو المستوى الأعلى له منذ أكتوبر 2023.
ورداً على سؤال «إرم بزنس» عبر البريد الإلكتروني بشأن سيناريوهات أسعار النفط، قالت أديتيا ساراسوات، رئيسة أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة «ريستاد إينرجي»، إن «الأسواق تشهد تقلبات شديدة في الوقت الحالي، ورد فعل المتداولين مفهوم في ظل التصعيد الذي نشهده».
كما أوضحت أنه في السابق «كان القلق يتمحور حول عدم القدرة على نقل الإمدادات عبر المنطقة، لكن الضربات الأخيرة بالطائرات المسيّرة رفعت بشكل كبير مستوى المخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط».
وفق «ساراسوات» فإن تداعيات الأزمة بدأت تمتد بالفعل إلى قطاعات متعددة، بدءاً من مراكز البيانات وصولاً إلى المستهلكين، الذين سيشعرون بآثارها في نهاية المطاف عند محطات الوقود.
وأكدت أنه «إذا طال أمد الصراع، فإن وصول أسعار النفط إلى مستويات ثلاثية الأرقام يصبح احتمالاً واقعياً للغاية».
بحسب رئيس أبحاث الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة «ريستاد إينرجي» فإنه «يمر عبر مضيق هرمز عادة نحو 16 مليون برميل يومياً من النفط الخام الخليجي، باستثناء الصادرات الإيرانية».
ومع محدودية السعات التخزينية التي تُقاس بالأيام لا بالأشهر، في وقت لا تغطي فيه البنية التحتية البديلة للتصدير سوى جزء محدود من إجمالي الإمدادات، لم يعد السؤال المطروح أمام معظم منتجي الخليج ما إذا كانوا سيضطرون إلى خفض الإنتاج، بل متى سيحدث ذلك؟. وتشير التقديرات إلى أن إيران قد تكون أول من يوقف إنتاجه، وفق «ساراسوات».
موقع «إرم بزنس» تواصل مع حليمة كروفت المحللة المخضرمة لشؤون منظمة «أوبك» في «آر بي سي كابيتال ماركتس»، التي ردت بورقة بحثية، أكدت خلالها أن «غياب ممرات بحرية آمنة وفعّالة يجعل أي زيادة في الإنتاج بلا جدوى عملياً، إذ قد تتحول الحصة الأكبر من نفط (أوبك) في المنطقة إلى إمدادات عالقة في حال امتداد الحرب لفترة طويلة».
وأضافت: «رغم أن إيران لم تنشر حتى الآن سفناً لإغلاق المسار الملاحي المتعرج في مضيق هرمز، فإن الهجمات الانتقائية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن رفعت مستوى المخاطر في هذا الممر البحري إلى حدود غير مقبولة بالنسبة لكثير من شركات الشحن والتأمين».
كذلك أوضحت أن خفض الإنتاج «مؤشراً مبكراً على سيناريو اضطراب واسع في الإمدادات، وهو السيناريو الذي قد يدفع أسعار النفط الخام إلى الاقتراب من مستوى 100 دولار للبرميل».
ويعتمد المسار المستقبلي لأسعار الطاقة في النهاية على مدة الاضطراب ومداه الناتج عن هذا الصراع، فمن المؤكد أنه إذا انتهت الحرب خلال أيام قليلة، فمن المرجح أن اتراجع علاوة المخاطر التي تضغط على أسعار النفط.
أما إذا طال أمد الاضطراب الملاحي واستمرت الهجمات على المنشآت الحيوية للطاقة في المنطقة، فإن سيناريو وصول أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل يصبح أكثر ترجيحاً، بحسب «آر بي.سي كابيتال ماركتس».
يرى الخبير النفطي العراقي ومدير المركز العالمي للدراسات التنموية في المملكة المتحدة، صادق الركابي، أن تكون الحرب إذا كانت قصيرة لوم تتضمن استهدافات حقول نفطية أو أي بنى تحتية فإن الأسواق تعود إلى وضعها قبل الأزمة ولكن مع استمرار القلق ما قد يؤدي إلى ارتفاع طفيف في أسعار النفط ما بين 75- 85 دولاراً للبرميل لكن علاوة المخاطر تتراجع.
أيضاً عامل آخر قد يؤثر في الأسعار، وفق الركابي، وهو أن تكلفة التأمين والنقل لن تتراجع بسهولة وستحتاج إلى فترة طويلة حتى مع وجود تهدئة خصوصاً إذا لم يتم حل سبب الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران ما يؤدي إلى مخاوف من عودة الحرب مرة أخرى.
يشير الركابي إلى أن في هذا الحال هناك مخاوف عدة سواء عرقلة مرور الناقلات النفطية أو استهداف حقول وكذلك استهداف أنابيب وبنى التحتية وهو ما يعني أن ترتفع الأسعار إلى حدود 120 دولاراً.
ورغم وجود دول أخرى خارج هذه المنطقة يمكنها أن تنتج ولكن المشكلة في دول مثل البرازيل والنرويج وكندا لكنها لا تستطيع زيادة الإنتاج بشكل سريع وهذا سيؤثر على المعروض النفطي، إضافة إلى عامل آخر وهو أن وجود حرب طويلة يؤثر على المشترين وبالتالي كل الدول التي تستهلك النفط ستقوم بتخزين كميات إضافية، وهو ما سيرفع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار، بحسب الركابي.
الركابي يرى أيضاً أن هذا السيناريو والذي يتضمن أيضاً حرباً طويلة يجعل الآثار مضاعفة لأنه سيكون هناك نقص بنسبة 20% من المعروض النفطي العالمي وسيكون هناك تأثير على البنى التحتية والحقول النفطية في المنطقة وهذا سيحتاج إلى استثمارات أكبر في المرحلة المقبلة وقد يؤدي إلى انسحاب بعض الشركات أو تغير في هيكل شراء هذه الكميات والتحول إلى مناطق أخرى في العالم، ومن ثم ستكون الكميات لا تكفي لتغطية كل الاحتياجات العالمية.
كما أن إغلاق «مضيق هرمز» سيزيد من طول الطرق التجارية وبالتالي سيرفع الطلب على الوقود وتكلفة التأمين والنقل ومن المتوقع أن يصل سعر البرميل إلى 150 دولاراً وهو سيناريو كاثي للاقتصاد العالمي.
وتابع الركابي: «لكن هناك عملاً قد يمنع ارتفاع الأسعار بشكل كبير وهو أن وجود الحرب والتصعيد الذي قد يحدث سيؤثر على النشاط الاقتصادي العالمي ومن ثم لن تكون هناك حركة اقتصاد قوية وانكماش قد يؤدي إلى نقص بالطلب ولكنه سيكون محدودا».
وأكد أن هناك حالة من القلق في الاقتصاد العالمي وإذا استمرت الحرب لأكثر من أسبوعين تدخل المخاوف التي تثير الشكوك بأنها قد تكون حرباً طويلة أما إذا حسمت خلال الفترة ذاتها يبقى السيناريو الأول هو الأرجح.