
تشير تقديرات تستند إلى تقارير تنظيمية ودراسات سوقية إلى أن الأفراد في سوق الصرف الأجنبي «الفوركس» يتكبدون خسائر إجمالية قد تصل إلى نحو 60 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم، ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل تونس، في ظل استمرار ارتفاع نسبة الحسابات الخاسرة بين المتداولين الأفراد.
وتُظهر البيانات الصادرة عن هيئات رقابية، من بينها الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق «إسما» والسلطات الوطنية في أوروبا وبريطانيا، أن نحو 70% إلى 89% من حسابات المتداولين الأفراد تخسر الأموال عند تداول عقود الفروقات، التي تشمل منتجات مرتبطة بالعملات.
في بريطانيا، تُظهر إفصاحات شركات الوساطة الخاضعة لرقابة هيئة السلوك المالي «إف سي إيه» أن نحو 75% من حسابات العملاء الأفراد تخسر الأموال في تداول عقود الفروقات، بينما تشير بيانات أميركية إلى أن نحو ثلثي المتداولين الأفراد يخسرون الأموال في بعض منتجات العقود الآجلة.
وتعني هذه الأرقام أن المتداول الخاسر يمثل في كثير من الأسواق أكثر من 7 من كل 10 حسابات، وقد تصل النسبة في بعض الحالات إلى قرابة 9 من كل 10 حسابات. ومع ذلك، لا يمكن تحويل هذه النسب مباشرة إلى خسائر مالية؛ إذ لا يعني أن كل حساب خاسر يتكبد الخسارة نفسها.
وتشير تقديرات سوقية حديثة إلى أن متوسط حجم حساب متداول التجزئة في الفوركس وعقود الفروقات يدور حول عدة آلاف من الدولارات، إلا أن الرقم يختلف بشدة بين الوسطاء والدول ونوع الحساب. كما أن المتوسط قد يكون مضللاً بسبب وجود عدد محدود من الحسابات الكبيرة التي ترفع المتوسط، في حين أن غالبية الحسابات تكون أصغر حجماً.
وتظهر بيانات متداولة من عينات بحثية أخرى أرقاماً أعلى أو أقل، وهو ما يعكس صعوبة تحديد «متوسط عالمي» حقيقي، خصوصاً مع عدم وجود قاعدة بيانات تجمع جميع حسابات المتداولين الأفراد.
وتزداد صعوبة التقدير عند الأخذ في الاعتبار أن جزءاً من النشاط يتم عبر شركات وساطة خارجية أو غير خاضعة للرقابة المحلية، إضافة إلى الحسابات التي يتم فتحها ثم تصبح خاملة، والحسابات الصغيرة التي لا تستمر سوى لفترة قصيرة.
ومن أكثر العبارات انتشاراً في صناعة الفوركس ما يعرف بـ «قاعدة 90/90»، والتي تقول إن 90% من المتداولين يخسرون 90% من أموالهم خلال أول 90 يوماً، أو نحو ثلاثة أشهر.
لكن هذه القاعدة ليست إحصاءً رسمياً صادراً عن جهة رقابية عالمية، ولا توجد أدلة أكاديمية قوية تثبت دقة هذه النسب والفترة الزمنية على مستوى سوق الفوركس العالمي. ومع ذلك، فإن انتشارها يعكس واقعاً تؤكده البيانات الرقابية: نسبة كبيرة من المتداولين الأفراد لا تتمكن من تحقيق أرباح مستدامة، ويخرج كثير منهم من السوق بعد تكبد خسائر كبيرة. وتشير هذه القاعدة، حتى إذا لم تكن دقيقة من الناحية الإحصائية، إلى مشكلة جوهرية في تداول الأفراد: الحسابات الصغيرة والرافعة المالية المرتفعة يمكن أن تجعل استنزاف رأس المال سريعاً جداً.
شهد سوق الفوركس نمواً قوياً خلال السنوات الأخيرة. ووفقاً لمسح بنك التسويات الدولية «بي آي إس» الذي يُجرى كل ثلاث سنوات، بلغ متوسط حجم التداول اليومي في سوق الصرف الأجنبي العالمي 9.5 تريليون دولار في أبريل 2025، بزيادة 27% مقارنة بنحو 7.5 تريليون دولار في 2022، مسجلاً أعلى مستوى منذ بدء المسح.
يُعزى جزء من هذا النمو إلى زيادة أنشطة التحوط في ظل تقلبات أسواق العملات وتصاعد التوترات التجارية، إضافة إلى توسع التداول الإلكتروني.
وعلى الرغم من أن حصة المتداولين الأفراد لا تزال صغيرة مقارنة بإجمالي السوق، فإن انتشار منصات التداول الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية ساهم في جذب ملايين المتداولين إلى السوق، خصوصاً في آسيا والأسواق الناشئة.
تشير تقديرات متخصصة إلى أن عدد المتداولين الأفراد النشطين في سوق الفوركس عالمياً يتراوح بين 10 و15 مليون متداول، مع اختلاف كبير في منهجيات القياس وتعريف «المتداول النشط» بين الدراسات ومصادر البيانات. وبناءً على تقدير خسائر إجمالية بنحو 60 مليار دولار سنوياً، فإن ذلك يعادل حسابياً متوسط خسارة يتراوح بين 4,000 و6,000 دولار سنوياً لكل متداول نشط.
لكن هذا المتوسط لا يعني أن كل متداول يخسر هذا المبلغ، إذ تتفاوت الخسائر بصورة كبيرة، وقد يخسر بعض المتداولين مبالغ محدودة، في حين يتكبد آخرون خسائر كبيرة خلال فترة قصيرة، خصوصاً مع استخدام الرافعة المالية. كما أن التقدير قد لا يشمل جميع الحسابات والمتداولين الذين يتعاملون عبر وسطاء خارجيين أو منصات غير خاضعة للرقابة، ما يجعل الرقم العالمي النهائي أكثر صعوبة في التحديد.