
تعيد فروق العائد رسم خريطة التدفقات الصينية إلى أسواق الدين الخليجية، مع زيادة إقبال المؤسسات المالية في الصين على السندات ذات التصنيف الاستثماري والآجال القصيرة والمتوسطة، مستفيدة من عوائد تتجاوز ما توفره أدوات دين آسيوية مماثلة من حيث الجدارة الائتمانية.
يتزامن نمو الطلب الاستثماري مع توسع دور البنوك الصينية في سوق الإصدارات الأولية الخليجية، إذ لم تعد مشاركتها تقتصر على شراء السندات، بل امتدت إلى ترتيب وتسويق إصدارات سيادية ومصرفية وشبه سيادية، بما يعكس اتساع الروابط المالية بين الصين ودول الخليج.
وكان المستثمرون الآسيويون من المشاركين النشطين في سوق السندات الخليجية قبل أن تؤدي أزمة العقارات الصينية التي بدأت في 2021 إلى تراجع حضورهم، إلا أن التدفقات عادت إلى النمو تدريجياً خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 الماضية.
وقال ريتيش أغاروال، رئيس أسواق رأس المال الدين في «الإمارات دبي الوطني كابيتال» (Emirates NBD Capital)، لموقع AGBI، إن حصة المستثمرين الآسيويين من تخصيصات إصدارات السندات الخليجية سجلت اتجاهاً صعودياً خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف أن الصراع مع إيران أدى إلى بعض التراجع في النشاط، لكنه لم يوقف مشتريات البنوك الصينية، في حين كان الانكفاء أكثر وضوحاً بين مديري الأصول وصناديق التحوط الآسيوية.
توجه البنوك الصينية استثماراتها بصورة أساسية إلى الإصدارات الأولية لكبرى البنوك الخليجية والحكومات والكيانات المرتبطة بها، مع تركز الاهتمام على الإمارات والسعودية وقطر.
وأوضح أغاروال أن المؤسسات الصينية تفضل أدوات الدين ذات الدرجة الاستثمارية، واستمرت في الشراء رغم التوترات الجيوسياسية، مستفيدة من تحسن مستويات التسعير من منظور المستثمر وما توفره من عائد إضافي.
تستند جاذبية السندات الخليجية بالنسبة للمستثمر الصيني إلى فارق التسعير مقارنة بالأسواق الآسيوية، إذ توفر سندات البنوك الخليجية هوامش عائد أعلى من أدوات تصدرها مؤسسات آسيوية ذات تصنيفات ائتمانية مماثلة، ما يعزز العائد المعدل بالمخاطر.
كما يدعم الطلب محدودية المعروض من أدوات الدين مرتفعة التصنيف في الأسواق الناشئة خارج الخليج، وهو ما يجعل المنطقة وجهة مهمة للصناديق الآسيوية التي تتطلب سياساتها الاستثمارية تنويع المحافظ خارج أسواقها المحلية.
ويتركز الطلب الصيني بصورة خاصة على السندات الخليجية التي تتراوح آجال استحقاقها بين ثلاث وخمس سنوات، فيما تميل المؤسسات المشترية إلى الاحتفاظ بهذه الأدوات حتى الاستحقاق بدلاً من تداولها بصورة نشطة في السوق الثانوية.
وتظهر بيانات «صندوق النقد الدولي» (IMF) حجم التحول في التدفقات، إذ ارتفعت حيازات المستثمرين الصينيين من ديون دول الخليج إلى نحو 14 مليار دولار بحلول منتصف 2025، مقابل 9.6 مليار دولار قبل عام.
بذلك تكون قيمة الحيازات قد تضاعفت نحو تسع مرات مقارنة بمنتصف 2017، وهو أقدم تاريخ تتوافر عنه بيانات قابلة للمقارنة.
واستحوذت الإمارات على الحصة الأكبر من الاستثمارات الصينية المسجلة في منتصف 2025 بقيمة 7.8 مليار دولار، تلتها قطر بنحو 5.3 مليار دولار، ثم السعودية بـ657 مليون دولار.
ومن إجمالي الحيازات، صُنّف نحو 7.5 مليار دولار ضمن الديون قصيرة الأجل، مقابل 6.3 مليار دولار للديون طويلة الأجل، ما يعكس ميلاً واضحاً نحو تقليص مخاطر المدة داخل المحافظ الصينية المستثمرة في المنطقة.
لا تقتصر جاذبية أدوات الدين الخليجية على المقارنة مع الأسواق الآسيوية، إذ تدخل بعض الإصدارات مرتفعة التصنيف في منافسة مباشرة على رؤوس الأموال مع أدوات الدين الحكومية الأميركية.
وقال أمول شيتول، رئيس أدوات الدخل الثابت في شركة «المشرق كابيتال» (Mashreq Capital) بدبي، إن صناع السوق الذين تتعامل معهم المؤسسة عند شراء السندات وبيعها يرصدون اتجاهاً لدى المؤسسات الصينية نحو زيادة حيازاتها من سندات دول مجلس التعاون الخليجي ذات الدرجة الاستثمارية والمدة الأقصر.
وربط شيتول هذا التحول بتقليص الصين حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، بالتوازي مع العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع دول الخليج التي تعد مصدراً رئيساً لإمدادات الصين النفطية.
ويرى أن هذه المعادلة تجعل إحلال جزء من حيازات سندات الخزانة الأميركية بأدوات دين خليجية ذات مستويات تصنيف ائتماني مماثلة خياراً منطقياً للمؤسسات الصينية الباحثة عن تنويع محافظ الدخل الثابت.
وتبرز أبوظبي في هذه المقارنة، إذ توفر أدوات دينها عائداً أعلى من الدين الحكومي الأميركي رغم تقارب التصنيف الائتماني، وفق شيتول.
وأشار كذلك إلى ما وصفه بسياسة مالية أكثر تحفظاً في أبوظبي مقارنة بالولايات المتحدة، إلى جانب انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات بصورة كبيرة، معتبراً أن هذه المؤشرات تجعل ديون أبوظبي أقل مخاطرة بالنسبة للمستثمرين الآسيويين بصورة عامة.
يمتد الحضور الصيني المتنامي من جانب الطلب إلى البنية التمويلية للسوق نفسها، مع زيادة مشاركة البنوك الصينية كمديري اكتتاب في إصدارات الدين الخليجية، بما يمنحها دوراً في تسعير الإصدارات وتسويقها والوصول بها إلى قاعدة أوسع من المستثمرين.
وتظهر تصنيفات موقع «سي بوندز» (Cbonds) لمديري إصدارات السندات في الشرق الأوسط خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026 تصاعد حضور المؤسسات المالية الصينية في السوق الأولي.
وجاء «البنك الصناعي والتجاري الصيني» (ICBC) في المركز السادس عشر، و«بنك الصين» (Bank of China) في المركز الثامن عشر، فيما حل «البنك الزراعي الصيني» (ABC) و«بنك شنغهاي بودونغ للتنمية» (SPD Bank) و«سي سي بي إنترناشيونال» (CCB International)، الذراع الاستثمارية لبنك التعمير الصيني، في المركز التاسع والعشرين بالتساوي.
وشاركت المؤسسات الصينية الخمس جميعها كمديري اكتتاب في إصدار السعودية السيادي بقيمة 11.5 مليار دولار في يناير، الذي طُرح عبر أربع شرائح، ما يعكس انتقال البنوك الصينية إلى موقع أكثر حضوراً في صفقات الدين الكبرى بالمنطقة.
كما شارك «بنك الصين» كمتعهد اكتتاب رئيس مشترك في الإصدار السعودي، وعمل على إصدارات دين مماثلة للكويت وأبوظبي.
وقال أغاروال إن أكبر البنوك الصينية باتت أكثر نشاطاً في إدارة اكتتابات الدين الخليجي بالتوازي مع استمرارها كمستثمر في هذه الأدوات.
يمنح هذا الدور البنوك الصينية موقعاً مزدوجاً في السوق، إذ تجمع بين الطلب الاستثماري داخل ميزانياتها والقدرة على استقطاب سيولة إضافية من آسيا عند ترتيب الإصدارات الخليجية وتسويقها.
وبالنسبة للمصدرين الخليجيين، يعني اتساع المشاركة الصينية توسيع قاعدة المستثمرين والوصول إلى مصادر سيولة آسيوية إضافية، بينما تحصل المؤسسات الصينية في المقابل على سوق لأدوات الدين مرتفعة التصنيف يوفر عوائد أعلى من بدائل مماثلة في أسواق أخرى.