
تصاعدت المخاوف في الأسواق الأوروبية من انتقال عدوى اضطرابات سوق السندات بين دول منطقة اليورو، بعدما أعادت موجة البيع الحادة في الديون الفرنسية ذكريات أزمة الديون السيادية التي هزت المنطقة قبل نحو 15 عاماً، في وقت زادت فيه التطورات السياسية في فرنسا وإسبانيا من حالة عدم اليقين.
وتراجع اليورو إلى مستويات جديدة أمام الدولار خلال تعاملات الاثنين، وسط قلق متزايد من أن تمتد الضغوط التي تواجه السندات الفرنسية إلى أسواق دين أوروبية أخرى، بحسب «بلومبرغ».
ووصلت علاوة العائد التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الحكومية الفرنسية مقارنة بالسندات الألمانية المماثلة إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة ديون منطقة اليورو، في ظل المخاوف حيال تدهور الوضع المالي الفرنسي واحتمال تجدد الاضطرابات السياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل. وتراجع اليورو بنحو 0.5% أمام الدولار الاثنين، مع استمرار الضغوط الناجمة عن المخاطر المالية والسياسية في منطقة اليورو.
زادت حالة عدم اليقين بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الاثنين، الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر، عقب رفض البرلمان الأسبوع الماضي خطة حكومية لمعالجة أزمة السكن، وفق «بلومبرغ» و«رويترز».
وجاء القرار بعد أشهر من الاضطرابات السياسية واحتجاجات واسعة بسبب ارتفاع تكاليف السكن، إلا أن رد فعل أسواق السندات الإسبانية ظل محدوداً نسبياً، ما يشير إلى أن المستثمرين كانوا قد استوعبوا إلى حد كبير احتمال الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
واستقر عائد السندات الحكومية الإسبانية لأجل 10 سنوات قرب 4.08%، بينما اتسع الفارق بينها وبين السندات الألمانية بنحو 3 نقاط أساس إلى 65 نقطة أساس، وفق بيانات «بلومبرغ».
لكن فرنسا تبقى المصدر الأكبر للقلق في أسواق الدين الأوروبية، خصوصاً أن حصة كبيرة من ديونها الحكومية مملوكة لمستثمرين أجانب، ما يزيد حساسيتها لتحولات شهية المستثمرين العالمية.
وأثارت سرعة وحجم التحركات في سوق السندات الفرنسية خلال الأسبوع الماضي قلق المستثمرين، مع اتساع الفارق بين العوائد الفرنسية والألمانية بصورة حادة.
ويطرح ذلك سؤالاً بات يهيمن على الأسواق: هل تقتصر الأزمة على إعادة تسعير المخاطر الفرنسية، أم يمكن أن تتحول إلى عدوى تنتقل إلى أسواق ديون دول أخرى في منطقة اليورو؟
وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان أزمة الديون السيادية الأوروبية التي بلغت ذروتها بين 2010 و2012، عندما ارتفعت تكاليف اقتراض عدد من دول المنطقة بصورة حادة واضطر البنك المركزي الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لاحتواء الأزمة.
يترقب المستثمرون موقف البنك المركزي الأوروبي، مع تزايد التكهنات بشأن المستوى الذي يجب أن تصل إليه اضطرابات الأسواق قبل أن يفكر البنك في استخدام إحدى أدواته المخصصة لمواجهة الضغوط غير المبررة في أسواق السندات.
ويملك البنك المركزي الأوروبي «أداة حماية انتقال السياسة النقدية»، المعروفة اختصاراً بـTPI، والتي أُنشئت في 2022 خلال موجة ارتفاع حادة في عوائد السندات الإيطالية، لكنها لم تُستخدم حتى الآن.
وتسمح الأداة، من حيث المبدأ، للبنك بشراء سندات دول تتعرض لضغوط سوقية يرى أنها غير مبررة، بهدف منع حدوث فروق كبيرة في تكاليف الاقتراض تعرقل انتقال السياسة النقدية الموحدة عبر منطقة اليورو.
لكن مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي أكدوا سابقاً أن الأداة مخصصة للتعامل مع تحركات السوق «غير المبررة»، وهو ما يجعل استخدامها لمعالجة المخاوف المرتبطة بأوضاع المالية العامة الفرنسية أكثر تعقيداً، إذ قد يثير تساؤلات بشأن مصداقية البنك وحدود تدخله.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق الدين والعملات، إذ أصبح الارتفاع التاريخي في عوائد السندات العالمية مشكلة متزايدة للأسهم الأوروبية، مع مواجهة المستثمرين احتمال استمرار التضخم المرتفع وتفاقم الديون الحكومية.
وتراجع مؤشر ستوكس أوروبا 600 بنسبة 1.1% خلال الأسبوع الماضي، مسجلاً رابع خسارة أسبوعية خلال 5 أسابيع، وفق «بلومبرغ».
كما بدأت حالة القلق تؤثر في نشاط أسواق رأس المال، إذ انخفض حجم عمليات بيع الأسهم الأوروبية بنحو 20% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، بعدما سجل نشاط جمع رؤوس الأموال أداءً قوياً في النصف الأول من العام.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه المستثمرون مزيجاً صعباً من ارتفاع عوائد السندات ومخاطر التضخم وتزايد الديون الحكومية وعدم الاستقرار الجيوسياسي.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض في أنحاء القارة، باتت الأسواق تراقب فرنسا بصورة خاصة بحثاً عن إشارات إلى ما إذا كانت موجة البيع الحالية ستظل أزمة فرنسية بالأساس، أم أنها ستكون بداية انتقال الضغوط إلى بقية أسواق الدين الأوروبية، وهو السيناريو الذي يعيد إلى المستثمرين ذكريات واحدة من أخطر أزمات منطقة اليورو.