الاستقالة تتيح للرئيس الفرنسي اختيار بديل جديد
اليمين المتشدد الأقرب للفوز بالانتخابات الرئاسية

في خطوةٍ فاجأت أسواق المال في باريس وأوروبا على حدٍّ سواء، أعلن فرانسوا فيليروي، محافظ بنك فرنسا المركزي، البالغ من العمر 66 عاماً، في رسالةٍ إلى الموظفين، أمس الاثنين، إن مهمته في البنك قد أُنجزت إلى حدٍّ كبير، وأن الوقت قد حان لتسليم المسؤولية.
تقدم دي غالهاو باستقالته المبكرة من منصبه كمحافظٍ لبنك فرنسا بشكلٍ مفاجئ، وسط تكهناتٍ بأن يكون هذا التوقيت مدروساً لضمان مستقبل قيادة المؤسسة، ويصب في صالح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
من المقرر أن تدخل الاستقالة حيّز التنفيذ في يونيو 2026، ويحدث هذا الرحيل غير المتوقع قبل حوالي 18 شهراً من الموعد المقرر لانتهاء ولايته الثانية في أكتوبر 2027.
تُحوّل هذه الخطوة استراتيجياً مسؤولية اختيار خليفته إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ إنه في حال إكمال فيليروي دي غالهاو فترة ولايته كاملة، لكان تعيين الرئيس القادم لبنك فرنسا من نصيب الفائز في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في أبريل 2027.
في غضون ذلك، تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن نتائج الانتخابات الرئاسية قد تصب في مصلحة مرشحٍ من اليمين المتشدد.
أشار محافظ البنك المركزي الفرنسي إلى أسبابٍ شخصيةٍ لرحيله، وتحديداً لتولي قيادة مؤسسة «فونداسيون أبرينتيس دوتوي»، وهي مؤسسة خيرية للشباب المعرّضين للخطر، إلا أن التوقيت يُنظر إليه على أنه جهدٌ محسوبٌ لحماية القيادة المستقبلية للمؤسسة، بحسب تقارير غربية.
في بيانٍ صحفي، أكد فيليروي دي غالهاو أنه قبل أكثر من عام، وتحديداً قبل 18 شهراً بقليل من انتهاء ولايته الثانية، قد أنجز جوهر مهمته.
وفي رسالةٍ منفصلةٍ إلى موظفي بنك فرنسا، أقرّ المحافظ، الذي قاد المؤسسة لما يقرب من 11 عاماً، بأن هذا القرار قد يكون مفاجئاً.
تأتي الاستقالة بعد جمودٍ تشريعيٍّ طويلٍ وشديدٍ في فرنسا، شهد انهيار حكوماتٍ متعددة، ونجح رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو في تمرير الموافقة على ميزانية عام 2026 التي تم الإعلان عنها في بداية الشهر.
طوال أواخر عام 2025، أدى عجز فرنسا عن إقرار الميزانية إلى زعزعة ثقة المستثمرين، مما دفع علاوة المخاطر على الدين الفرنسي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
ومن خلال الانتظار حتى الانتهاء من هذه الميزانية، ضمن فيليروي دي غالهاو ألّا يؤدي رحيله إلى إثارة ذعرٍ جديدٍ في السوق أو تفاقم الأزمة السياسية القائمة.
ويمكن للرئيس إيمانويل ماكرون الآن التركيز على تعيين خليفةٍ من المرجح أن يتماشى مع رؤيته الاقتصادية المؤيدة لأوروبا والوسطية.
لو أكمل فيليروي ولايته، لكان اختيار الرئيس الذي سيخلف ماكرون أمراً بيده، ولا يحق لماكرون الترشح لولايةٍ ثالثةٍ متتالية. وبموجب الدستور الفرنسي، يُرشّح الرئيس محافظ البنك المركزي، ويُعيّنه بمرسومٍ حكوميٍّ بعد تصويت البرلمان.
قال جان فيليب تانغي، وهو نائبٌ بارزٌ في حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، في بيانٍ، إنه يشتبه في أن رحيل فيليروي المبكر ما هو إلا مناورةً لترسيخ نفوذ ماكرون على البنك المركزي ومنع الرئيس المقبل من تعيين محافظٍ جديد.
أضاف تانغي: «أقضي حياتي في إخبار الناس بأن الماكرونية غير ليبرالية، وتستخدم الديمقراطية كأداةٍ للاستغلال».
قال زميلٌ بارزٌ في معهد بيترسون في واشنطن، نيكولاس فيرون: «بعض موظفي البنك كانوا يتوقعون ألّا يبقى فيليروي حتى نهاية ولايته؛ بسبب حالة عدم اليقين المحيطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة».
أضاف فيرون: «ومع ذلك، فإن مثل هذا التفكير سيظل مجرد تكهناتٍ في الوقت الحالي».
تابع: «يُعدّ فيليروي صوتاً مؤثراً في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، وهو محافظٌ كفؤٌ يحظى باحترامٍ كبير».
قالت محافظ البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد في بيان: «لقد استفاد مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي بشكلٍ كبيرٍ من الواقعية المقترنة بالقناعات والرؤية الأوروبية القوية التي يقدمها دائماً».
وقال نظيره الألماني يواكيم ناغل في بيان: «انخراطه العميق في القضية الأوروبية، المرتبط بحبه الصادق لفرنسا وارتباطه الوثيق بمنطقة سار، جعله جسراً حيّاً بين بلدينا».
أشار المحلل والخبير في شؤون البنك المركزي الأوروبي لدى «ستاندرد آند بورز غلوبال» في فرانكفورت، سيلفان بروير: «فيليروي لطالما كان بمثابة بوصلةٍ للأسواق، مما ساعدها على قياس اتجاه السياسة النقدية في وقتٍ تخلى فيه البنك المركزي الأوروبي عن التزامه السابق بتوجيه الأسواق بشكلٍ صريحٍ بشأن نواياه».