الدولار يستحوذ على 58% من الاحتياطيات
حصة الدولار في المعاملات الدولية 50%

شهدت احتياطيات البنوك المركزية تحوّلاً كبيراً في السنوات العشر الماضية، مع التآكل التدريجي لهيمنة الدولار الأميركي، والذي تزامن معه صعود صاروخي لحصة الذهب خلال السنوات الخمس التي تلت جائحة كورونا؛ ما دفع أسعار المعدن النفيس إلى مستويات غير مسبوقة.
أجج إقبال البنوك المركزية على شراء السبائك والتخلي تدريجياً عن الأصول الأميركية، سياسة التعريفات الجمركية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل من العام الماضي، مع استمرار واشنطن في التهديد باستخدام الرسوم بين الفينة والأخرى، سواء مع خصومها أو حتى شركائها التجاريين.
أشعلت فرنسا شرارة تمرد أوروبا على هيمنة الدولار الأميركي، في محاولة جديدة للتخلص من النفوذ الأميركي الكبير والسيطرة الأميركية على اقتصاد القارة العجوز، خاصة بعد حرب التعريفات الجمركية التي أشعلها ترامب منذ تنصيبه في يناير من العام الماضي.
إلى ذلك، تنضم أوروبا إلى الصين ومجموعة «بريكس»، التي تكافح منذ سنوات لتقليص الاعتماد على الدولار الأميركي، في محاولة للقضاء على نموذج الاقتصاد العالمي أحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما انعكس على تراجع نصيب الدولار في الاحتياطيات الدولية.
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحفي: «يتعين على الاتحاد الأوروبي استحداث وسيلة للاقتراض المشترك، من خلال سندات باليورو على سبيل المثال؛ لأن ذلك سيساعد على تحدي هيمنة الدولار».
أضاف ماكرون: «الاتحاد الأوروبي أقل مديونية مقارنة بالولايات المتحدة والصين، في ظل سباق الاستثمار التكنولوجي، وعدم الاستفادة من هذه القدرة على الاقتراض يعد خطأ فادحاً».
إلى ذلك، انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف استخدام الدولار كأداة للضغط، وأشار إلى أن سوء استخدام العملة الأميركية مستمر على نطاق غير مسبوق، فيما دعت موسكو دول مجموعة بريكس في العام الماضي إلى إنشاء عملة احتياطية جديدة.
كتب محللو «جيه بي مورغان» بقيادة لويس أوغانيس في مذكرة: «يواصل الدولار الهيمنة على معاملات الصرف الأجنبي واستخدام العملات الدولية، لكن هذه الهيمنة انخفضت كثيراً عما كانت عليه قبل خمس سنوات».
أضافوا: «في المقابل، واصلت البنوك المركزية تكديس الذهب في 2025؛ ما يزيد حصته ضمن إجمالي أصول الاحتياطيات في إشارة إلى التحول الواضح في سياسة البنوك بشأن اعتمادها على الدولار الأميركي».
أشار المحللون إلى أنه في ظل استخدام الولايات المتحدة لعملتها كأداة في العقوبات وارتفاع الدين العام الأميركي إلى مستوى قياسي، اتجهت مجموعة من الدول، بما في ذلك روسيا والصين، إلى تقليل اعتمادها على الدولار وتقليص حصته في احتياطيات البلاد.
كتب محللو «غولدمان ساكس» في مذكرة: «تواصل البنوك المركزية تنويع احتياطياتها من خلال الابتعاد عن الدولار مع تعزيز احتياطياتها الذهبية بسرعة».
نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الذهب في عام 2025 بنسبة 65%، وهو أكبر ارتفاع سنوي منذ عام 1979، وفي الوقت نفسه، انخفض مؤشر الدولار 9.4%، وهو أسوأ أداء في ثماني سنوات، بحسب المحللين.
بحسب مؤسسة التمويل الدولية، انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات إلى نحو 58%، نزولاً من 65% منذ عقد من الزمان، وتحديداً في 2016 عندما بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق.
تظهر استطلاعات الرأي أن البنوك المركزية العالمية أصبحت أقل تفاؤلاً بشأن الدولار. وفقاً لبحث أجراه مجلس الذهب العالمي، يعتقد 78% من رؤساء البنوك المركزية أن العملة الأميركية ستواصل فقدان مواقعها تدريجياً.
في الوقت ذاته، يرى رؤساء البنوك المركزية أن فقدان هيمنة الدولار على الاحتياطيات لن يحدث بين عشية وضحاها بسبب استخدامها الواسع في التجارة والتمويل الدوليين.
ارتفعت حصة الذهب من 16% إلى 28% خلال الفترة نفسها، مسجلة أعلى مستوى منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، ليصبح المعدن الثمين الآن يشكل جزءًا أكبر من الاحتياطيات العالمية مقارنة باليورو والين والجنيه الإسترليني مجتمعين.
وفي نهاية يناير الماضي، أظهرت سوق الخيارات أن المضاربين في أسواق الصرف يضعون أكبر رهان منذ عام 2011 على انهيار محتمل لقيمة الدولار، في ظل تصاعد حدة الاضطرابات السياسية الداخلية بالولايات المتحدة.
وأوضحت سوق الخيارات والعقود الآجلة أن علاوة المخاطر على المشتقات المالية قصيرة الأجل التي تراهن على تراجع العملة الأميركية، قفزت إلى أعلى مستوى تسجله منذ أكثر من عقد.
ارتفعت حصة الدولار من المعاملات الدولية إلى 50.5% في ديسمبر، مقارنةً بـ 46.8% في الشهر السابق، وفقاً لأحدث البيانات التي جمعتها جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك «سويفت».
ويُعد ذلك أعلى مستوى منذ عام 2023، عندما عدلت الجمعية منهجية جمع بيانات المعاملات.
وجاء اليورو في المرتبة الثانية بحصة تقارب 22%، تلاه الجنيه الإسترليني، ثم الدولار الكندي، فالين الياباني، وأخيراً اليوان الصيني.
وتبرز بيانات معاملات «سويفت» تقلبات شهرية تبعًا للعوامل الموسمية والتحركات قصيرة الأجل في نشاط المدفوعات.
ففي ديسمبر، جاء معظم ارتفاع حصة الدولار نتيجة تراجع المدفوعات الميسّرة عبر اليورو، الذي انخفضت حصته إلى 21.9%، وهو أدنى مستوى خلال عام.
كما شكّلت رسائل «سويفت» المرتبطة باليوان الصيني 2.7% في ديسمبر، دون متوسط العملة خلال العام الماضي.
قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن حالة عدم اليقين أصبحت الوضع الطبيعي الجديد، وهو ما يدفع المستثمرين في أوقات الغموض إلى البحث عن الاستقرار من خلال الملاذات الآمنة مثل الذهب.
وأضافت غورغييفا خلال مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، أن العالم يعيش مرحلة التحول نحو تعدد الأقطاب؛ ما ينعكس على طريقة عمل النظام النقدي الدولي، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار الدور المحوري للدولار.
أوضحت أن هذا الدور يستند إلى عمق وسيولة أسواق رأس المال في الولايات المتحدة، وحجم الاقتصاد الأميركي، وروح المبادرة وريادة الأعمال، إضافة إلى قدرة الاقتصاد الأميركي على تحقيق نمو مستدام ينعكس إيجابًا على بقية اقتصادات العالم.
أشارت غورغييفا إلى أن الدولار يرتفع وينخفض مع مرور الوقت، لافتة إلى أن مستواه الحالي أعلى من متوسطه خلال العقد الماضي، مؤكدة أنه لا ينبغي الحكم على وضع الدولار من خلال تقلبات قصيرة الأجل.
وفيما يخص الأسواق الناشئة، أوضحت غورغييفا أن هذه التطورات ليست سلبية بالضرورة، إذ إن العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة تقترض بالدولار، ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، فإن ضعف الدولار يعني إنفاقًا أقل على خدمة الديون.
وعند النظر إلى التطورات العالمية وتزايد تعدد مراكز النفوذ والتأثير، قالت غورغييفا: «عملات أخرى بدأت تعزز دورها تدريجياً في الاحتياطيات العالمية، موضحة أن الدولار ظل في الصدارة لفترة طويلة بحصة تجاوزت ثلثي الاحتياطيات العالمية، إلا أن هذه الحصة تراجعت اليوم إلى نحو 58%».
وأضافت غورغييفا: «اليورو برز كخيار احتياطي للدول، إلى جانب عملات اقتصادات صغيرة وموثوقة مثل سويسرا وأستراليا والسويد، التي ارتفعت حصص عملاتها ضمن احتياطيات الدول».