خطر الديون يضغط على الطلب العالمي للسندات
العريان وأكبر صندوق سيادي في العالم يحذران

هدأت موجة بيع السندات خلال تعاملات اليوم الجمعة، للجلسة الثانية على التوالي، ما أعاد شهية المخاطر ودعم الأسهم و«بيتكوين» والعملات عالية العائد، بعد أسبوع مضطرب لأسواق الدين العالمية.
جاء الهدوء بعدما دفعت موجة البيع عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات فوق 3% للمرة الأولى منذ 30 عاماً، بينما ارتفعت عوائد السندات الأميركية والألمانية والبريطانية إلى أعلى مستوياتها في سنوات وعقود.
حذرت بنوك ومؤسسات استثمار وخبراء، إلى جانب أكبر صندوق سيادي في العالم، من الإفراط في التفاؤل بالهدنة الأخيرة، ورجحت تجدد موجات البيع بصورة متقطعة مع استمرار اختلال العرض والطلب وتزايد احتياجات الحكومات والشركات إلى الاقتراض.
قال كبير المستشارين الاقتصاديين في شركة التأمين و إدارة الأصول «أليانز»، محمد العريان، خلال منتدى أمبروسيتي في مدينة تشيرنوبيو الإيطالية، إن المستثمرين ينبغي أن يتوقعوا استمرار بيع السندات الحكومية، مستبعداً ظهور رغبة أميركية في إجراء ضبط مالي فوري يخفف الضغوط التصاعدية على العوائد.
أضاف العريان أن المشكلة تعكس اختلالاً بين طوفان الإصدارات وقدرة المشترين على استيعابه، محذراً من انخفاض موثوقية الطلب التقليدي مع تراجع دور الصين وانشغال اليابان بتحدياتها الداخلية، كما حدد بريطانيا واليابان وفرنسا بوصفها الأكثر عرضة لمخاطر الديون بين دول مجموعة السبع.
اقترح «بنك النرويج لإدارة الاستثمارات»، الذي يدير أكبر صندوق سيادي في العالم، خفض وزن السندات الحكومية من 70% إلى 50% من مؤشر محفظة السندات التابعة للصندوق، مع زيادة الاستثمار في الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري والسندات المرتبطة بالحكومات.
يخفض المقترح وزن سندات الخزانة الأميركية من 34.1% إلى 21.9% من محفظة السندات، بما يعادل نحو 80 مليار دولار، كما يقلص حصة سندات منطقة اليورو من 16.8% إلى 14.1%، مقابل رفع وزن السندات الحكومية اليابانية من 4.6% إلى 7.4%.
أكد الصندوق أن الخطوة لا تمثل انسحاباً من الدولار أو السوق الأميركية، إذ سيعوض تراجع سندات الخزانة بزيادة أدوات دين أميركية أخرى، موضحاً أن حصة حكومية تبلغ 50% تكفي لتغطية احتياجات السيولة خلال اضطرابات الأسواق.
توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصول صافي احتياجات اقتراض حكومات دول المنظمة إلى قرابة 4 تريليونات دولار خلال 2026، وهو ثاني أعلى مستوى مسجل بعد عام 2020، مقارنةً بنحو 3.5 تريليون دولار خلال العام الماضي.
أظهرت المنظمة أن الإصدارات المرتفعة وتراجع الطلب على الأصول طويلة الأجل دفعا متوسط عوائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 4.1% بنهاية 2025، بينما ارتفعت علاوة الأجل على السندات لأجل 10 سنوات إلى 0.84%، وهي الأعلى في أكثر من عقد.
حذر محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، من ضغوط طويلة الأجل ترفع ديون الاقتصادات المتقدمة، تشمل ضعف الإنتاجية وشيخوخة السكان وزيادة الإنفاق الدفاعي، ما يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أكبر مقابل تمويل الحكومات.
قدرت «غولدمان ساكس» إصدارات الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنحو 500 مليار دولار منذ بداية 2026، مشيرةً إلى أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة لم تمثل سوى 40% من الإجمالي، بينما امتد الاقتراض إلى بقية منظومة الذكاء الاصطناعي.
قالت رئيسة أبحاث إستراتيجية الائتمان في «غولدمان ساكس»، أماندا لينام، إن حجم الإصدارات وطبيعتها الممتدة لسنوات يجعلانها ظاهرة استثنائية، محذرةً من وجود فارق بين قدرة الشركات على الاقتراض وقدرة سوق السندات على استيعاب المعروض بسهولة.
توقعت «جيه بي مورغان لإدارة الأصول» ارتفاع إصدارات سندات شركات الحوسبة السحابية إلى 279 مليار دولار خلال 2026، ثم ما بين 220 و300 مليار دولار في 2027، ما قد يرفع وزنها إلى قرابة 10% من سوق السندات الأميركية ذات الدرجة الاستثمارية.
أضافت المؤسسة أن موجة الإصدارات لن تعطل سوق الائتمان، لكنها تعيد تشكيله بعدما اتسعت هوامش العائد بفعل كثافة المعروض وتركيزه وتزايد الالتزامات التمويلية خارج الميزانيات.
يرى «معهد بلاك روك للاستثمار» أن أسعار الفائدة المرتفعة باقية، في ظل التضخم العنيد والاقتراض الحكومي الضخم وتزايد احتياجات الاستثمار الخاص، مؤكداً أن هذه العوامل لا تقدم سبباً كافياً لتلاشي الضغوط على العوائد طويلة الأجل.
أظهرت تقديرات «بلاك روك» أن أكثر من 80% من سوق السندات العالمية يقدم عائداً يتجاوز 4%، لكنها حذرت من أن العوائد المرتفعة لا تعوض المستثمرين دائماً عن المخاطر، مع تفضيل السندات الحكومية قصيرة ومتوسطة الأجل.
توقع مكتب الاستثمار في «يو بي إس» استمرار تقلب العوائد خلال الأجل القريب، مع إمكانية تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.5% بنهاية العام، مقابل 5% للسندات لأجل 30 عاماً، ما يرجح موجات بيع وشراء متقطعة بدلاً من تحرك العوائد في اتجاه واحد.
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، على أن يبدأ التوسع في 9 سبتمبر ويستمر حتى 4 نوفمبر، بهدف تعزيز السيولة وتخفيف اضطرابات السوق.
قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن المخاوف المتعلقة بتراكم الدين وارتفاع العوائد تتجاهل قوة الاقتصاد الأميركي، معتبراً أن تحسن النمو يمكن أن يدعم قدرة الحكومة على إدارة أعبائها المالية، بينما تستهدف عمليات إعادة الشراء تحسين أداء السوق وليس تغيير السياسة النقدية.
يرى «بي.إن.واي» أن دلالة القرار تتجاوز حجمه المالي، لأنه يبعث بإشارة إلى استعداد وزارة الخزانة للتدخل عند تعرض السندات طويلة الأجل لضغوط حادة، لكنه أشار إلى أن استقرار العوائد سيظل مرهوناً بمسار التضخم والإصدارات والعجز.
حذر «جيه بي مورغان» من أن تكثيف إعادة الشراء قد يأتي بنتائج عكسية إذا اعتبره المستثمرون محاولة لفرض مستويات محددة للعوائد، موضحاً أن تراجع قابلية السياسة للتوقع قد يرفع علاوة المخاطر ويدفع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى الصعود مجدداً.
قال عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر إن علاوة الأمان التي تمتعت بها سندات الخزانة الأميركية تاريخياً اختفت إلى حد كبير، ما يرفع سعر الفائدة المحايد ويجبر الحكومة على دفع تكلفة أكبر لجذب المستثمرين.
تمنح هدنة العوائد المستثمرين فرصة لالتقاط الأنفاس، لكن استمرار طوفان الإصدارات وتراجع المشترين التقليديين يعني أن جرس إنذار السندات لم يتوقف وأن موجات البيع مرشحة للعودة.