الإنفاق الضخم يقود إلى رفع معدلات التضخم
إنتاج المصانع باليابان ينخفض بنسبة 2.6%

على مدار أكثر من 3 عقود، كانت اليابان مصدر تمويل شديد السخاء للأسواق، حتى إن رابع اقتصاد في العالم كان سببًا رئيسيًا في ظهور ما يعرف بـ «الكاري تريد»، وهي تجارة تستفيد من فروق الفائدة بين العملات، في ظل اتباع مصرف اليابان المركزي نهجًا شديد التيسير في السياسة النقدية.
وبعد أن رفع بنك اليابان الفائدة إلى 0.75%، وتحسبًا لزيادات مستقبلية، ارتبكت الأسواق، وبدأ المقترضون الذين اعتادوا على فوائد صفرية في تسييل أصولهم لتسديد الديون، وباتت قرارات بنك اليابان لا تؤثر فقط على الأسواق المحلية، بل تمس أسواق الأسهم العالمية والكريبتو.
ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في طوكيو، والذي يستثني التكاليف المتقلبة للأغذية الطازجة، بنسبة 2.3% في ديسمبر مقارنة بالعام السابق، وهو أقل من توقعات السوق التي كانت تشير إلى زيادة بنسبة 2.5%، ويتراجع عن الزيادة التي بلغت 2.8% في نوفمبر.
ارتفع مؤشر التضخم للعاصمة، الذي يستثني تكاليف المواد الغذائية الطازجة والوقود – والذي يراقبه بنك اليابان عن كثب كمقياس للأسعار المدفوعة بالطلب – بنسبة 2.6% في ديسمبر بعد زيادة بنسبة 2.8% في نوفمبر.
كما أظهرت بيانات صدرت صباح اليوم الجمعة أن إنتاج المصانع في اليابان انخفض بنسبة 2.6% في نوفمبر مقارنة بالشهر السابق، وهو انخفاض أكبر من توقعات السوق التي كانت تشير إلى انخفاض بنسبة 2.0%، وذلك بسبب تخفيضات في إنتاج السيارات وبطاريات الليثيوم أيون.
اقترحت الحكومة اليابانية اليوم الجمعة إنفاقًا قياسيًا للسنة المالية المقبلة مع كبح إصدار الديون، مما يؤكد التحدي الذي تواجهه رئيسة الوزراء سناء تاكايتشي في تعزيز الاقتصاد في حين أن التضخم لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي.
ووافق مجلس الوزراء الياباني على مشروع ميزانية بقيمة 783 مليار دولار يعالج مخاوف السوق من خلال وضع حد أقصى لإصدار السندات وخفض نسبة الميزانية الممولة عن طريق الديون الجديدة إلى أدنى مستوى لها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.
من المرجح أن تدعم الميزانية القياسية البالغة 122.3 تريليون ين للعام الذي يبدأ في أبريل، والتي تشكل جزءًا أساسيًا من السياسة المالية الاستباقية لتاكايتشي، الاستهلاك، ولكنها قد تؤدي أيضًا إلى تسريع التضخم وزيادة الضغط على المالية اليابانية المتهالكة.
تؤكد البيانات وجهة نظر البنك المركزي بأن التضخم الأساسي سينخفض إلى ما دون هدفه البالغ 2% في الأشهر المقبلة مع تخفيف ضغوط التكاليف، قبل أن يستأنف ارتفاعًا مدفوعًا بالطلب يبرر زيادات إضافية في أسعار الفائدة، بحسب كبير الاقتصاديين التنفيذيين في معهد «داي-إيتشي» يوشيكي شينكي.
حذر شينكي من أن «انخفاض قيمة الين المتجدد قد يدفع الشركات إلى الاستمرار في رفع الأسعار، مما يؤدي إلى تضخم جامد مدفوع بالتكاليف، والذي قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة من قبل بنك اليابان».
كتب شينكي في مذكرة للعملاء: «تشير بيانات اليوم إلى أن التضخم الغذائي قد بلغ ذروته. لكن ضعف الين قد يمنح الشركات ذريعة لاستئناف رفع أسعار المواد الغذائية، مما قد يبقي التضخم مرتفعًا».
أدى قلق المستثمرين بشأن التوسع المالي في اقتصاد يعاني من أثقل عبء ديون في العالم الصناعي إلى ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية، مما أثر سلبًا على الين.
قالت وزيرة مالية اليابان ساتسوكي كاتاياما: «نعتقد أننا تمكنا من صياغة ميزانية لا تزيد فقط من المخصصات لتدابير السياسة الرئيسية، ولكنها تأخذ الانضباط المالي في الاعتبار أيضًا، مما يحقق اقتصادًا قويًا واستدامة مالية».
أضافت الوزيرة في مؤتمر صحفي اليوم: «مشروع الميزانية يبقي إصدار السندات الجديدة أقل من 30 تريليون ين (190 مليار دولار) للعام الثاني على التوالي، مع انخفاض نسبة الاعتماد على الدين إلى 24.2%، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1998».
انخفض عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 30 عامًا من مستوى قياسي بلغ 3.45%، بعد أن أعلنت الحكومة أنها ستخفض على الأرجح إصدار سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل للغاية في السنة المالية المقبلة إلى أدنى مستوى له منذ 17 عامًا.
كتب كبير الاقتصاديين في شركة «ميزوهو للأبحاث والتكنولوجيا» سايسوكي ساكاي، في مذكرة: «الميزانية لم تكن بالضخامة التي كانت تُخشى في البداية».
أضاف ساكاي: «لكن الانقسام السياسي يزيد من خطر لجوء تاكايتشي إلى ميزانية تكميلية ضخمة العام المقبل لكسب دعم المعارضة، مما يُبقي على مخاوف السوق من أن التوسع المالي قد يدفع الين إلى الانخفاض ويزيد من التضخم».
قال ساكاي: «الإنفاق المقترح مبالغ فيه بسبب ارتفاع تكاليف خدمة الدين، بما في ذلك مدفوعات الفائدة وسداد الديون، ما قد يعمق الأزمة خاصة مع ضرورة رفع الفائدة لكبح التضخم والحفاظ على قيمة الين».
مع تجاوز التضخم الأساسي هدف بنك اليابان لما يقرب من أربع سنوات، أشار المحافظ كازو أويدا إلى استعداد بنك اليابان لمواصلة رفع أسعار الفائدة إذا استمر الاقتصاد في التحسن، مدعومًا بمكاسب قوية في الأجور.
أضاف ساكاي: «يعكس الإنفاق المقترح زيادة بنسبة 3.8% في الإنفاق العسكري ليصل إلى 9 تريليونات ين (60 مليار دولار أمريكي)، تماشيًا مع مساعي الولايات المتحدة لحث حلفائها على زيادة إنفاقهم على الدفاع عن أنفسهم».
ويظل المضاربون على انخفاض الين، والذين قاموا ببيع العملة اليابانية، يعتقدون أن رفع أسعار الفائدة من قبل أويدا تدريجي للغاية، مما يضع وزيرة مالية اليابان أمام التهديد بالتدخل بشراء الين، قائلةً إن «الحكومة تشعر بالقلق لأننا نشهد بوضوح تحركات حادة أحادية الجانب في الين».
في غضون ذلك، تستمر تحركات الين عاملاً حاسمًا في تقلبات الأسواق والهزات العنيفة في فئات الأصول المختلفة، مع ترقب أي تصريح أو تحرك مفاجئ من جانب بنك اليابان الذي أنهى ما يسمى بظاهرة المال الرخيص والاقتراض بفوائد صفرية أو سالبة.
ومع ارتفاع التضخم ورفع الفائدة، واستمرار ضعف الين، يبقى السؤال: هل ستستمر اليابان في قيادة المال الرخيص للمستثمرين، أم أن الأسواق أمام اختبار جديد للصبر والمخاطرة؟.