
لم تعد فرص الاستثمار في صناعة الدواجن السعودية محصورة في المزارع وإنتاج اللحوم. فمع ارتفاع الإنتاج المحلي واقتراب السوق من الاكتفاء الذاتي، بدأت رؤوس الأموال تتحرك نحو حلقات أكثر تخصصاً في سلسلة القيمة، تشمل السلالات، والتفريخ، واللقاحات البيطرية، والأعلاف، والمنتجات الغذائية ذات القيمة المضافة.
وتظهر ملامح هذا التحول في مبادرات تستهدف استثمار أكثر من 200 مليون دولار في إنتاج أمهات الدواجن، و250 مليون ريال في تصنيع اللقاحات البيطرية، إلى جانب توسعات بمليارات الريالات في مزارع الإنتاج ومنشآت المعالجة.
وبحسب وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية، وصل إنتاج السعودية من لحوم الدواجن إلى نحو 1.4 مليون طن في 2026، فيما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي نحو 80% في لحوم الدواجن و100% في بيض المائدة.
وشهد «معرض الشرق الأوسط للدواجن 2026» في الرياض توقيع 27 اتفاقية باستثمارات تجاوزت 2.574 مليار ريال، وفقاً لوكالة الأنباء السعودية، ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة التوسع الكمي إلى البحث عن حلقات أعلى قيمة داخل سلسلة الإنتاج.
تتقدم صناعة السلالات والتفريخ بين الوجهات الاستثمارية الجديدة في قطاع الدواجن. فإنتاج اللحوم يبدأ فعلياً من حلقات مبكرة تشمل أمهات الدواجن والبيض المخصب والصيصان، وهي مراحل تحدد جودة الإنتاج واستقراره وتكلفته لاحقاً.
في هذا المجال، قالت وزارة البيئة والمياه والزراعة إن مبادراتها تشمل دعم وتمكين مشروع «أفيجين العربية» لتوطين إنتاج أمهات الدواجن، باستثمارات تتجاوز 200 مليون دولار، وبطاقة مستهدفة تصل إلى 15 مليون صوص أم سنوياً.
وتكمن أهمية هذا النوع من الاستثمار في أنه يخدم عدداً واسعاً من المنتجين، ولا يقتصر على مزرعة واحدة. كما يفتح الباب أمام مرافق تفريخ، وخدمات مخبرية، وتقنيات وراثية، وإدارة متقدمة للقطعان.
وتدعم الوزارة أيضاً تحالف «جدود الامتياز للدواجن»، الذي يضم 19 شركة وطنية، بهدف تطوير الأصول الوراثية لدواجن إنتاج اللحوم والبيض، ما يمنح القطاع مساراً أوسع لتقليل الاعتماد على الحلقات المستوردة في بداية سلسلة الإنتاج.
مع توسع الإنتاج، ترتفع الحاجة إلى منظومة صحية ووقائية قادرة على حماية القطعان وتقليل خسائر الأمراض. لذلك بدأت صناعة اللقاحات البيطرية تبرز كوجهة استثمارية مستقلة داخل قطاع الدواجن.
وبحسب وزارة البيئة السعودية، يجري العمل على توطين تصنيع لقاحات الدواجن عبر شراكة بين «البرنامج الوطني لتطوير قطاع الثروة الحيوانية والسمكية»، وشركة «سيفا» الفرنسية لصحة الحيوان، وشركة «ماس» السعودية للخدمات البيطرية.
وتستهدف الشراكة استثماراً أولياً في المرحلة الأولى بقيمة 250 مليون ريال، مع تغطية نحو 30% من سوق لقاحات الدواجن في المملكة.
وتختلف هذه الفرصة عن إنتاج اللحوم لأنها تقوم على محتوى تقني أعلى، وتتطلب مختبرات ومرافق تصنيع واعتمادات تنظيمية، ما يجعلها أقرب إلى صناعة حيوية مرتبطة بالأمن الغذائي، لا مجرد نشاط زراعي تقليدي.
تبقى الأعلاف واحدة من أهم حلقات الاستثمار في الدواجن، لأنها ترتبط مباشرة بتكلفة الإنتاج. فبحسب تقرير وزارة الزراعة الأميركية عن الحبوب والأعلاف في السعودية، تمثل الأعلاف نحو 70% من تكاليف إنتاج لحوم الدواجن.
ويشير التقرير إلى أن واردات السعودية من الذرة، وهي مكون رئيس يفي أعلاف الدواجن، مرشحة للارتفاع إلى 4.66 مليون طن في الموسم التسويقي 2026/2027، مقابل تقديرات بنحو 4.52 مليون طن في الموسم السابق.
ولا تعني هذه الأرقام أن قطاع الدواجن وحده يستهلك كامل الكميات، إذ تستخدم الذرة أيضاً في قطاعات الألبان والأعلاف التجارية والثروة الحيوانية. لكنها توضح حجم حساسية القطاع لتكاليف المواد الخام وسلاسل الإمداد.
وهنا تظهر فرص استثمارية في مصانع الأعلاف، وتحسين التركيبات الغذائية، وأنظمة التخزين، والخدمات اللوجستية، والتقنيات التي ترفع كفاءة تحويل العلف إلى لحوم. فخفض تكلفة التغذية ينعكس مباشرة على هامش المنتجين وقدرتهم على المنافسة.
مع نضج السوق، يصبح بيع الدجاج الخام وحده أقل جاذبية من المنتجات المصنعة والمجهزة. فالطلب يتزايد على الأغذية الجاهزة للطهي، والمنتجات المجمدة، والحلول المخصصة للمطاعم وشركات الخدمات الغذائية.
وتبرز «المراعي» نموذجاً لهذا الاتجاه. فبحسب تقريرها السنوي لعام 2025، عالج قطاع الدواجن في الشركة أكثر من 300 مليون طائر خلال العام، مقارنة بنحو 260 مليون طائر في العام السابق، مع السعي لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 450 مليون طائر سنوياً بحلول 2028.
كما تشير الشركة إلى أن منشأة جديدة في موقع «الجوهرة» ستتيح معالجة أكثر من 8 آلاف طن من اللحوم سنوياً لإنتاج دواجن مجمدة ذات قيمة مضافة، موجهة للمستهلكين وقطاع الأعمال، مع دراسة فرص التصدير إلى الأسواق العربية.
ويكشف ذلك أن جزءاً من الاستثمار المقبل لن يذهب فقط إلى زيادة عدد الطيور، بل إلى رفع قيمة المنتج النهائي عبر المعالجة، والتتبيل، والتجميد، والتعبئة، وسلاسل التبريد، وتطوير المنتجات.
وكانت «المراعي» قد أعلنت في 2024 خطة استثمارية بخمسة أعوام تتجاوز 18 مليار ريال حتى 2028، وفقاً لـ«رويترز»، بينها نحو 7 مليارات ريال مخصصة لتوسعة أعمال الدواجن.
تشير خريطة الاستثمارات الجديدة إلى أن قطاع الدواجن السعودي يدخل مرحلة أكثر تنوعاً. فإنتاج اللحوم سيبقى أساسياً، لكنه لم يعد الوجهة الوحيدة لرأس المال.
فالسلالات والتفريخ توفران مدخلات مبكرة للقطاع، واللقاحات تحمي الإنتاج وتخلق صناعة حيوية متخصصة، والأعلاف تتحكم في الكلفة الأكبر، بينما يرفع التصنيع الغذائي القيمة النهائية للمنتج.
ومع اقتراب المملكة من الاكتفاء الذاتي في لحوم الدواجن، سيصبح السؤال الاستثماري أقل ارتباطاً بعدد المزارع الجديدة، وأكثر ارتباطاً بالحلقات التي تستطيع خلق قيمة أعلى داخل سلسلة الإنتاج، من الصوص الأول إلى المنتج الجاهز على رفوف المتاجر.