إيهاب واصف: الطلب المحلي والاضطرابات الإقليمية ضغطا على الصادرات
هاني ميلاد: الدولار والسعر العالمي سيحددان مسار الذهب محلياً

بينما مثّل الذهب إحدى أبرز نقاط القوة في هيكل الصادرات المصرية غير البترولية خلال 2025، تحول أداؤه في العام الحالي إلى مصدر ضغط على حصيلة البلاد التصديرية، بعدما فقد القطاع نحو 2.1 مليار دولار من عوائده خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.
وتراجعت صادرات مصر من الذهب والحلي والأحجار الكريمة بنسبة 43% خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، لتسجل نحو 2.8 مليار دولار، مقابل 4.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات المجلس التصديري لمواد البناء والصناعات المعدنية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بعدما كان الذهب المحرك الأقوى لنمو الصادرات المصرية في 2025، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أسباب التحول الحاد، ومدى ارتباطه بارتفاع الطلب المحلي أو تغير خريطة الأسواق الخارجية، لا سيما مع القفزة الكبيرة في واردات الذهب الخام.
شهدت صادرات الذهب المصرية نمواً استثنائياً خلال 2025، بعدما ارتفعت بنحو 137.5% إلى 7.6 مليار دولار، مقابل 3.2 مليار دولار في 2024، لتتصدر القطاعات الأعلى تصديراً في البلاد.
وأسهم هذا الأداء في رفع حصة الذهب إلى نحو 15.6% من إجمالي الصادرات المصرية غير البترولية، التي بلغت قرابة 48.6 مليار دولار في 2025، مقابل حصة تقدر بنحو 7.7% خلال العام السابق.
لكن الاتجاه انعكس خلال 2026. ومع تراجع صادرات الذهب إلى 2.8 مليار دولار خلال ثمانية أشهر، انخفضت مساهمته إلى نحو 8.3% من إجمالي الصادرات السلعية غير البترولية، التي بلغت 33.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بزيادة سنوية قدرها 4%.
عزا رئيس شعبة الذهب والمجوهرات في اتحاد الغرف التجارية المصرية، هاني ميلاد، تراجع الصادرات منذ بداية العام إلى ارتفاع الطلب المحلي على الذهب الخام، بما قلّص الكميات الفائضة المتاحة للتصدير.
وقال ميلاد لـ«إرم بزنس» إن حركة تصدير الذهب واستيراده ترتبط بمعادلة العرض والطلب داخل السوق؛ فعندما يزيد المعروض على الطلب يتجه الفائض إلى الخارج، بينما تلجأ السوق إلى الاستيراد عندما تتجاوز احتياجاتها الكميات المتاحة محلياً.
وأضاف أن ارتفاع الطلب المحلي خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 حدّ من الفائض القابل للتصدير، بالتزامن مع زيادة كبيرة في واردات الذهب الخام.
ولا يعني هذا التفسير بالضرورة أن كل الذهب المستورد استُهلك داخل السوق المحلية، إذ تختلف فترات القياس والتصنيفات الإحصائية؛ فبيانات الصادرات تغطي الذهب والحلي والأحجار الكريمة خلال ثمانية أشهر، بينما تخص بيانات الواردات أشكال الذهب الخام غير النقدي خلال سبعة أشهر.
قفزت واردات مصر من أشكال الذهب الخام غير النقدي بنسبة 1719% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، لتسجل نحو 5.494 مليار دولار، مقابل 302.1 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
وبذلك زادت قيمة الواردات بنحو 5.192 مليار دولار، وارتفعت إلى أكثر من 18 ضعف مستواها المسجل قبل عام، وفقاً لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وتنسجم هذه القفزة مع تفسير ميلاد المتعلق بزيادة احتياجات السوق، لكنها قد تعكس أيضاً احتياجات التصنيع وإعادة التصدير وتغير الأسعار العالمية وتركيبة التدفقات التجارية. لذلك لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين قيمة الواردات والصادرات من دون مراعاة اختلاف بنود السلع والفترات الزمنية.
حافظت الإمارات على صدارة أكبر الأسواق المستوردة للذهب والحلي والأحجار الكريمة من مصر، رغم انخفاض قيمة الصادرات إليها بنسبة 63% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، لتسجل نحو 1.4 مليار دولار.
وعوّضت سويسرا جزءاً من هذا التراجع، بعدما ارتفعت صادرات القطاع إليها بنسبة 35% إلى نحو 1.33 مليار دولار، مقابل 991 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من 2025.
وجاءت كندا في المرتبة التالية بين الأسواق التي سجلت نمواً، بعدما ارتفعت الصادرات إليها بنسبة 34% إلى نحو 12 مليون دولار، بينما تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 8% إلى قرابة مليوني دولار.
وقال رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة في اتحاد الصناعات المصرية، إيهاب واصف، لـ«إرم بزنس» في وقت سابق، إن ارتفاع الطلب المحلي على المشغولات الذهبية، وتداعيات الاضطرابات الإقليمية على حركة التصدير، إلى جانب بعض التحديات الإجرائية التي تواجه الشركات المصدرة، أسهمت في تراجع صادرات القطاع.
وأضاف واصف أن التوسع في أسواق أخرى، من بينها سويسرا وكندا وأستراليا، عوّض جزءاً من الانخفاض المسجل في الصادرات إلى الإمارات، التي تظل الوجهة الرئيسية للذهب المصري.
رغم ارتفاع الطلب الصناعي على الذهب الخام وزيادة الواردات، قال هاني ميلاد إن الطلب الاستهلاكي على المشغولات والسبائك لا يزال يشهد هدوءاً نسبياً، بالتزامن مع حالة الترقب المرتبطة بالمتغيرات الاقتصادية والسياسية.
وتوقع استمرار هدوء الطلب حتى نهاية 2026، موضحاً أن السوق عادة ما تشهد موجات شراء قوية عندما ترتفع الأسعار بسرعة، خوفاً من ضياع فرصة الشراء، بينما يميل المستهلكون إلى الانتظار عند انخفاضها توقعاً لمزيد من التراجع.
ورجح ميلاد ألا تتكرر موجات الإقبال القوية التي صاحبت الارتفاعات السعرية الحادة في نهاية العام الماضي بالوتيرة نفسها خلال الفترة المتبقية من 2026، مع احتمال عودتها مطلع 2027 وفقاً لمسار الأسعار والتطورات الاقتصادية.
لا يرى ميلاد أن زيادة المعروض وهدوء الطلب الاستهلاكي يضمنان انخفاض أسعار الذهب محلياً، إذ تظل السوق مرتبطة بعاملين رئيسيين: السعر العالمي للمعدن وسعر الدولار أمام الجنيه.
ورجح استمرار الاتجاه الصعودي للذهب عالمياً، مدعوماً بمشتريات البنوك المركزية واستمرار الطلب على المعدن بوصفه ملاذاً آمناً، متوقعاً أن تتحرك الأوقية بين 4500 و4800 دولار بنهاية 2026. ويظل هذا النطاق توقعاً شخصياً للخبير، وليس تقديراً رسمياً أو نتيجة مؤكدة.
كما أشار إلى أن ارتفاع الدولار أمام الجنيه يزيد تكلفة تسعير الذهب محلياً، ما قد يحد من أثر تراجع الطلب على الأسعار.
وبحسب بيانات السوق الواردة في المادة، انخفض الجنيه بنحو 5.1% منذ بداية سبتمبر، من 50.96 جنيه للدولار إلى 53.57 جنيه بنهاية تعاملات الأحد. وفي المقابل، ارتفع سعر غرام الذهب عيار 21 بصورة محدودة من 6255 جنيهاً إلى نحو 6290 جنيهاً، بنمو يقارب 0.6%. ويتوافق مستوى 6290 جنيهاً تقريباً مع بيانات منصات متابعة الأسعار في السوق المصرية.
وتكشف هذه التحولات عن مفارقة في سوق الذهب المصرية؛ فبينما قفزت واردات الخام إلى مستوى قياسي، تراجعت الصادرات بقوة عن طفرة العام الماضي. ويظل تحديد ما إذا كان هذا التحول مؤقتاً أو يعكس تغيراً مستداماً في حركة التجارة مرهوناً بمسار الطلب المحلي والأسعار العالمية وسعر الصرف، إلى جانب قدرة الشركات المصرية على توسيع أسواقها الخارجية وتعويض الانخفاض في السوق الإماراتية.