
تعيد الخطة القطرية المقترحة لتطوير قطاع الكهرباء اللبناني طرح معادلة اقتصادية تتجاوز تمويل إنشاء المحطات إلى ضمان استدامة إيراداتها، إذ تتيح مشاركة رأس المال الخاص توسيع القدرات الإنتاجية من دون إنفاق رأسمالي حكومي مسبق، مقابل عقود طويلة الأجل تربط عائد المستثمرين بانتظام المدفوعات، وكفاءة التشغيل، وتكلفة إنتاج الكهرباء.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية مع الخطة التي تجمع بين إنشاء محطتين بقدرة إجمالية تبلغ 1650 ميغاواط، وتأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال، والتوسع في الطاقة الشمسية، والرياح، وتخزين الكهرباء، إلى جانب استيراد الطاقة من سوريا.
لكن الخطة لا تزال مقترحاً يحتاج إلى موافقة الحكومتين اللبنانية والقطرية، كما تبقى قابلة للتعديل، وفق وثيقة مؤرخة في أكتوبر 2026 اطلعت عليها وكالة «رويترز».
وتتمثل القيمة الاقتصادية للمشروع في الجمع بين التمويل طويل الأجل وتطوير البنية الإنتاجية، بينما تتحدد جاذبيته الاستثمارية بشروط شراء الكهرباء وكلفة رأس المال والضمانات التي تتيح للمستثمرين استرداد أموالهم، وتحقيق عوائد تجارية، دون تحميل المالية العامة التزامات تتجاوز قدرة القطاع على السداد.
تتضمن الخطة إنشاء محطتين لتوليد الكهرباء بالغاز الطبيعي باستخدام تقنية الدورة المركبة، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، في دير عمار شمال لبنان والزهراني جنوبه.
وبحسب تقديرات عرضها وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي، استناداً إلى مشاورات مع «مؤسسة التمويل الدولية» ومستثمرين محتملين، قد تتراوح كلفة إنشاء المحطة الواحدة بين 800 مليون ومليار دولار، فيما لم تُعلن بعد القيمة الاستثمارية النهائية للخطة القطرية.
ويمتد البرنامج إلى اتفاق مقترح مع «قطر للطاقة» لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاماً، باستخدام وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز بطاقة 3.5 مليون متر مكعب يومياً، إلى جانب خط الغاز العربي عبر سوريا بطاقة تصل إلى 4.5 مليون متر مكعب يومياً.
كما تشمل الخطة إنشاء مشاريع لإنتاج 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية و440 ميغاواط من طاقة الرياح، ومرافق لتخزين الكهرباء بالبطاريات، إضافة إلى استيراد 300 ميغاواط من سوريا في مرحلة أولى عبر مسارين.
ويمنح هذا التكامل البرنامج أهمية تتجاوز إضافة محطات جديدة، إذ يربط الاستثمار في التوليد بإمدادات الوقود، والبنية التحتية، والتخزين، والربط الكهربائي، بما يساعد على تنويع مصادر الطاقة، وتحسين استخدام الأصول.
وتستهدف الخطة تنفيذ مكوناتها خلال 3 سنوات إذا صدرت الموافقات سريعاً، لكن هذه المدة تمثل إطاراً زمنياً مستهدفاً وليست موعداً نهائياً، نظراً إلى ارتباطها بالاتفاقات الحكومية، والتمويل، والعقود، والدراسات الفنية.
أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في 16 أكتوبر، أن المشروع سيعتمد نموذج «التصميم والبناء، والتشغيل، ونقل الملكية»، المعروف اختصاراً بـ«BOT».
وبموجب هذا النموذج، تتولى جهات قطرية أو شركات المشروع تمويل المنشآت وتصميمها وبناءها وتشغيلها خلال فترة تعاقدية محددة، قبل نقل ملكيتها إلى الدولة اللبنانية وفق الشروط المتفق عليها.
ويتيح ذلك تنفيذ المشاريع دون إنفاق استثماري مسبق من الخزينة، لكنه لا يعني حصول لبنان على المحطات والكهرباء مجاناً. فالمستثمر يحتاج إلى إيرادات تسمح باسترداد رأس المال، وتغطية التشغيل، وخدمة الديون، وتحقيق العائد المطلوب.
وتأتي هذه الإيرادات عادةً من عقود طويلة الأجل لشراء الكهرباء، قد تتضمن مدفوعات مقابل إتاحة القدرة الإنتاجية للمحطة، وأخرى مرتبطة بكمية الكهرباء الموردة فعلياً.
وتساعد المدفوعات المستقرة على توقع التدفقات النقدية، وتسهيل الحصول على التمويل، لكنها تنشئ في المقابل التزامات مستقبلية على الجهة المشترية، حتى لو لم تدفع الدولة كلفة البناء عند بداية المشروع.
ولم تُعلن حتى الآن تعرفة شراء الكهرباء أو مدة العقود وآلية احتساب المدفوعات، وهي عناصر أساسية لتحديد عوائد المستثمرين، وقياس الالتزامات التي قد تتحملها «مؤسسة كهرباء لبنان» أو الدولة.
تمثل الضمانات أحد أهم شروط قابلية المشروع للتمويل، خاصة عندما تعتمد إيرادات المستثمرين على مشترٍ واحد للكهرباء طوال مدة العقد.
وأوضح وزير الطاقة أن المشاورات مع المستثمرين أظهرت الحاجة إلى ضمانات تشمل انتظام المدفوعات الشهرية، والتعويض عند الإنهاء المبكر للعقود، والحماية من المخاطر السياسية والأمنية.
وتؤثر هذه الضمانات مباشرة في تسعير المشروع. فكلما ارتفعت احتمالات تأخر المدفوعات أو تغير الشروط، طالب المستثمرون والمقرضون بعائد أكبر وهوامش تمويل أعلى، ما ينعكس في النهاية على تكلفة الكهرباء.
أما إذا توافرت ضمانات موثوقة وتحسنت الجباية، فقد تنخفض علاوة المخاطر وشروط الاقتراض، بما يساعد على تقليص الكلفة التعاقدية للإنتاج.
وتشير الوثيقة التي اطلعت عليها «رويترز» إلى أن التزامات الدفع والضمانات لا تزال موضع تفاوض، ما يعني أن هذه العناصر لم تُحسم بعد.
ويجري التحضير للمشروع بدعم من «مؤسسة التمويل الدولية»، وفقاً لرئاسة الحكومة اللبنانية. كما بحثت وزارة الطاقة مع «البنك الدولي» و«مؤسسة التمويل الدولية» و«الوكالة الدولية لضمان الاستثمار» الأدوات اللازمة لجذب رأس المال الخاص.
ولا تعني هذه المحادثات إقرار ضمانة دولية محددة للمشروع القطري حتى الآن، لكنها تعكس محاولة بناء هيكل تمويلي يوزع المخاطر بين المستثمرين والمقرضين والدولة.
تبرز أهمية الضمانات في ضوء المستحقات المتراكمة لـ«مؤسسة كهرباء لبنان» على الوزارات، والإدارات، والمؤسسات العامة.
ووفقاً لوزارة الطاقة، بلغت هذه المستحقات نحو 250 مليون دولار حتى نهاية ديسمبر 2025، وكانت ترتفع بنحو 12 مليون دولار شهرياً.
وفي يوليو 2026، قدّر الوزير أن القيمة الفعلية للمستحقات وصلت إلى ما بين 330 و340 مليون دولار، لكنه تمسك بالمطالبة بمبلغ نهاية 2025، مقترحاً سداده على دفعات شهرية بقيمة 50 مليون دولار.
وتكشف هذه الأرقام أن ضمان عائد المستثمرين لا يتوقف على وجود عقد مكتوب، بل على قدرة منظومة الكهرباء على تحصيل الإيرادات وتحويلها إلى مدفوعات منتظمة.
فإذا استمرت الجهات العامة أو المستهلكون في تأخير السداد، قد تحتاج المشاريع إلى ضمانات حكومية أو دولية أكبر، وهو ما قد ينقل جانباً من المخاطر إلى المالية العامة.
لذلك تصبح معالجة المتأخرات وتحسين التحصيل والحد من الهدر جزءاً من قابلية المشاريع الجديدة للاستمرار، وليست مجرد إصلاحات إدارية منفصلة عنها.
ترتبط الجدوى الاقتصادية للمحطات الغازية أيضاً بتكلفة الوقود، التي تمثل مكوناً رئيساً من نفقات إنتاج الكهرباء.
ويوفر اتفاق توريد الغاز لمدة 20 عاماً إطاراً طويل الأجل للإمدادات، لكن أثره المالي سيتوقف على كميات الشراء وآلية التسعير، وكلفة النقل، وإعادة التغويز، إضافة إلى الجهة التي ستتحمل تقلب الأسعار.
فإذا انتقلت الزيادة في أسعار الغاز تلقائياً إلى الجهة المشترية، يتحمّل قطاع الكهرباء والمستهلكون معظم مخاطر السوق. أما إذا تحمل المستثمر جزءاً من التقلبات، فقد يطالب بعائد أعلى أو بشروط تعاقدية تحمي هوامشه.
ويمكن للجمع بين محطات الغاز والطاقة الشمسية والرياح والتخزين أن يقلل استهلاك الوقود ويحسن إدارة مزيج الإنتاج، إذ توفر المحطات الغازية قدرة مستقرة، بينما تخفض مصادر الطاقة المتجددة الحاجة إلى تشغيلها بكامل طاقتها في بعض الفترات.
غير أن الاستفادة من هذه القدرات تتطلب شبكة قادرة على استيعاب الإنتاج الجديد ونقله بكفاءة، وإلا قد تتحول زيادة التوليد إلى طاقة لا يمكن توزيعها بالكامل.
يفتح تنفيذ الخطة سوقاً أمام شركات الهندسة، والإنشاءات، والمعدات الكهربائية، وتطوير الطاقة المتجددة والتخزين، إلى جانب خدمات التشغيل، والصيانة، والنقل، وتوريد الأنظمة.
كما قد تستفيد الشركات اللبنانية من أعمال المقاولات، والخدمات الفنية واللوجستية، وفق شروط التعاقد، وحجم المحتوى المحلي الذي ستتضمنه المشاريع.
ويمتد الأثر المحتمل إلى الاقتصاد الأوسع، إذ يمكن لزيادة ساعات التغذية، وخفض الاعتماد على المولدات الخاصة تحسين كلفة التشغيل لدى المصانع، والمتاجر، والمطاعم، والمكاتب.
لكن تحقيق هذه المكاسب سيبقى مرتبطاً بالتكلفة النهائية للكهرباء، وكفاءة الشبكة والجباية، وقدرة العقود على تحقيق توازن بين عائد المستثمرين وعدم تحميل المستهلكين أو الخزينة فاتورة يصعب تحملها.
فالتمويل الخاص يحل مشكلة توفير الأموال عند بداية المشروع، لكنه لا يلغي كلفته. والاختبار الحقيقي سيكون في تحويل الإنفاق المؤجل إلى التزامات واضحة وقابلة للسداد، دون إعادة إنتاج العجز المالي الذي أثقل قطاع الكهرباء اللبناني لعقود.