المرونة الرقمية والالتزام بالمواعيد يحسمان اختيار المورد المحلي
نقل المعرفة يتطلب مشروعات مشتركة وتدريب الكوادر المحلية

مع توسّع الشركات الصينية في دبي، تتسع أمام الشركات الإماراتية فرص تتجاوز استيراد البضائع وبيعها، لتشمل التوزيع والتخزين والتسويق والامتثال والخدمات التقنية. لكن الاستفادة من هذا الحضور تتطلب معرفة ما تحتاجه الشركات الجديدة، وكيف تختار مورّديها، وما الذي يمكن أن يقدمه الشريك المحلي لدعم توسعها.
وبحسب بيانات غرف دبي، بلغت التجارة غير النفطية بين دبي والصين نحو 363.5 مليار درهم، تعادل قرابة 99 مليار دولار، في عام 2025، بنمو يقارب 23% مقارنة بالعام السابق. ووصل عدد الشركات الصينية النشطة المسجلة في عضوية غرفة تجارة دبي إلى 6,650 شركة بنهاية سبتمبر 2026، بينها أكثر من 3,830 شركة تعمل في التجارة والخدمات.
كما انضمت 894 شركة صينية جديدة إلى عضوية الغرفة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، وفقاً لتصريحات رئيس مجلس إدارة غرف دبي، سلطان بن سعيد المنصوري، التي نقلتها وسائل إعلام إماراتية.
وفي تصريحات لـ«إرم بزنس»، يرى البروفيسور عبداللطيف العزعزي، مستشار الاقتصاد وريادة الأعمال، أن الفرص الأقرب للشركات الصغيرة الإماراتية تتركز في تلبية احتياجات التجارة والخدمات. فيما يربط الخبير الاقتصادي حسن الريس اتساع هذه الفرص بتطور العلاقة نحو شراكات استثمارية وصناعية ومعرفية، تستفيد من موقع دبي وبنيتها اللوجستية والمالية.
يقول العزعزي إن الشركة الصينية التي تبدأ نشاطها في دبي تحتاج إلى خدمات دخول السوق والتأسيس والتسجيل، وفهم المتطلبات المحلية، إلى جانب الامتثال والتسويق وبناء العلاقات التجارية بين الشركات.
وهنا تستطيع الشركات الإماراتية الصغيرة توظيف معرفتها بالسوق لتقديم خدمات تساعد الشريك الصيني على الوصول إلى العملاء والموزعين، وتطوير عملياته المحلية والإقليمية.
ويتفق الريس على أهمية الخدمات المساندة، ويحدد فرصاً في التخليص الجمركي والاستشارات القانونية والتنظيمية والضريبية، فضلاً عن إدارة المستودعات والتوصيل إلى المستهلك النهائي، وما يرتبط بذلك من خدمات التوظيف والصيانة.
ويرى أن نمو التجارة الإلكترونية وسلاسل التوزيع يزيد أهمية المستودعات الذكية وحلول الأتمتة، والتخزين المبرد للسلع التي تتطلبه، إلى جانب القدرة على إدارة المخزون وتنفيذ الطلبات بدقة.
ويستشهد العزعزي بمشروع «سوق دبي للتجار» بوصفه أحد المشروعات الداعمة لهذه المنظومة. ووفقاً للمعلومات المنشورة لدى «دي بي ورلد»، يستهدف المشروع عند اكتماله استيعاب 20 ألف تاجر ومستأجر، بما يعكس حجم الخدمات التجارية واللوجستية التي يمكن أن ترتبط بتطوير مثل هذه المراكز.
لكن الوصول إلى العقود، بحسب الخبيرين، يحتاج إلى استعداد داخل الشركة المحلية؛ فالعزعزي يشدد على فهم الأطر القانونية ونماذج التعاون، بما يشمل اتفاقيات الوكالة التجارية والامتياز والتوزيع، مع الكفاءة التشغيلية والشفافية ووضوح الالتزامات.
أما الريس فيضع المرونة الرقمية والالتزام بالمواعيد والدقة في صدارة معايير اختيار المورد، معتبراً أن القدرة على ربط أنظمة الشركة المحلية بمنصات الشريك الصيني ترفع كفاءة تبادل الطلبات والبيانات ومتابعة التسليم.
ويضيف العزعزي أن الحواجز اللغوية والثقافية واختلاف الأطر التنظيمية قابلة للتجاوز، عبر منصات الربط الرسمية والوسطاء المتخصصين، والاستثمار في بناء الثقة والكفاءة المؤسسية.
يرى الريس أن جاذبية دبي للشركات الصينية ترتبط بتكامل الموانئ والمطارات والمناطق الحرة والخدمات المالية، بما يسمح بإدارة عمليات تجارية وتوزيعية تخدم أسواقاً متعددة انطلاقاً من الإمارة.
ويبرز الربط بين ميناء جبل علي ومطار آل مكتوم الدولي ضمن المقومات التي تدعم الجمع بين النقل البحري والجوي، خصوصاً للشحنات الحساسة للوقت، مثل الإلكترونيات والقطع التقنية.
كما يعتبر أن الانتشار الدولي لـ«دي بي ورلد» يمنح الشركات خيارات أوسع لتنظيم حركة البضائع وسلاسل التوريد. وتتوقف ترتيبات الخدمات والتكاليف في كل سوق على طبيعة العمليات والعقود، بينما توفر الشبكة اللوجستية أساساً لدعم التوسع.
يضع الريس المنظومة المصرفية ضمن عناصر هذه الجاذبية، من خلال تمويل التجارة والحلول الرقمية والمدفوعات العابرة للحدود، مع أهمية الاستقرار النقدي وتطوير قنوات التعامل مع الأسواق الآسيوية.
ويشير إلى دور ربط الدرهم بالدولار في تقليل تقلبات الصرف بين العملتين، والتوسع في استخدام أدوات التسوية باليوان. ويظل تعرض الشركات لمخاطر العملات الأخرى مرتبطاً بعملات إيراداتها ومدفوعاتها وترتيبات التحوط.
بحسب تحليله، يتقاطع هذا الدور التجاري والمالي مع مبادرة «الحزام والطريق» وأجندة دبي الاقتصادية «D33» ومئوية الإمارات 2071، بما يتيح الجمع بين تدفقات التجارة ورأس المال وتوطين التكنولوجيا.
إلى ذلك يؤكد العزعزي أن قاعدة الاستثمار القائمة تدعم هذا المسار؛ إذ استقطبت دبي أكثر من 300 مشروع استثمار أجنبي مباشر من الصين خلال الفترة من 2016 إلى 2025. ووفقاً لغرف دبي، تجاوزت رؤوس الأموال المرتبطة بهذه المشروعات 24.6 مليار درهم.
يربط العزعزي الانتقال إلى تصنيع ووظائف ونقل معرفة داخل الإمارات بمسارين متكاملين: المبادرات الحكومية التي تطور الشراكات الصناعية، واستثمارات القطاع الخاص التي تحول الفرص إلى عمليات إنتاجية وخدمات متخصصة.
ويشير إلى جهود وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة لتعزيز التعاون مع الصين في التصنيع الذكي والتقنيات المتقدمة. ووفقاً للوزارة، شارك وفد إماراتي في معرض الصين الدولي للصناعة بشنغهاي خلال الفترة من 12 إلى 16 أكتوبر، وضم جهات وشركات، بينها مصرف الإمارات للتنمية ومكتب أبوظبي للاستثمار والإمارات العالمية للألمنيوم.
شملت الزيارة بحث فرص نقل التكنولوجيا وتطوير الشراكات، إلى جانب الاطلاع على مصانع في الروبوتات والأتمتة والتصنيع الذكي.
يرى العزعزي أن إتاحة الملكية الأجنبية الكاملة في كثير من الأنشطة تشجع الاستثمار، بينما تستطيع الشركات المحلية تطوير شراكات في الإنتاج والخدمات المرتبطة به. ويطرح السيارات الكهربائية مثالاً على فرص توطين سلاسل التوريد وخدمات ما بعد البيع والتأمين واللوجستيات والخدمات التقنية.
كذلك يضيف أن تعميق الأثر يحتاج إلى تدريب الكوادر المحلية على التقنيات الصينية، خصوصاً الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وربط ذلك بمشروعات مشتركة.
من جانبه، يبرز الريس البعد الأكاديمي والبحثي للعلاقة، معتبراً أن الابتعاث إلى الجامعات الصينية وتبادل الخبرات يساعدان على بناء مهارات تقنية ولغوية تدعم التعاون في الذكاء الاصطناعي وهندسة الطيران والطاقة المتجددة والابتكار الرقمي.
وفقاً لمكتب البعثات الدراسية، توسع الابتعاث إلى جامعات صينية في تخصصات تشمل الهندسة والعلوم المتقدمة والذكاء الاصطناعي. كما أعلن برنامج «خبراء الإمارات» رحلة دراسية لـ16 خبيراً إماراتياً إلى بكين وشنغهاي خلال الفترة من 12 إلى 16 أكتوبر، للتعرف على المؤسسات البحثية والشركات التكنولوجية وتجربة تحويل الأبحاث إلى أعمال.
كما يرى الريس أن اجتماع المعرفة بالسوق المحلية مع المهارات التقنية واللغوية يرفع قدرة الشركات الإماراتية على بناء حلول تمويل وتوريد مشتركة. فيما يربط العزعزي نجاح هذه الشراكات باستثمار مستمر في الكفاءات والثقة والقدرة على تنفيذ التزامات تجارية وتشغيلية واضحة.