
أظهر مشروع قانون المالية المغربي لعام 2026 تمسك الحكومة بمسار ضبط العجز المالي، دون اللجوء إلى زيادة الإنفاق استجابةً للاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد في سبتمبر 2025، وهي الأكبر منذ تظاهرات عامي 2011 و2012.
وأكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني في تقرير صدر من هونغ كونغ ولندن اليوم الجمعة، ونشرته على موقعها الإلكتروني، أن المقترح المالي الجديد يشير إلى أن السلطات المغربية لا تنوي رفع النفقات كثيراً رغم الضغوط الاجتماعية، وهو ما يُقلل من أحد مصادر المخاطر المالية التي كانت الوكالة قد حددتها عند تثبيت تصنيف المغرب عند مستوى (BB+) مع نظرة مستقرة في سبتمبر الماضي.
ورغم أن الاحتجاجات الأخيرة عبّرت عن توترات اجتماعية متكررة، بسبب معدلات البطالة المرتفعة، خصوصاً بين الشبان في المدن، فإن فيتش ترى أنها لا تشكل تهديداً جدياً لاستقرار النظام السياسي في البلاد.
يتوقع مشروع الموازنة أن ينخفض عجز الميزانية المركزية إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنة بـ3.6% في موازنة 2025. كما تشير التقديرات إلى تراجع إجمالي الإنفاق إلى 26.8% من الناتج المحلي، مقابل 27.6% في موازنة العام الجاري، نتيجةً لضبط النفقات الجارية مع بقاء الإنفاق الاستثماري عند مستويات مستقرة.
ويُعزى نصف الانخفاض في الإنفاق الجاري إلى تراجع فاتورة الأجور، فيما يأتي النصف الآخر من انخفاض مدفوعات الفوائد على الديون، وهي تقديرات تراها وكالة فيتش «منطقية وواقعية».
أما من جهة الإيرادات، فيُتوقع أن تنخفض قليلاً إلى 23.8% من الناتج المحلي في 2026 مقارنة بـ24% في موازنة 2025، رغم توقع زيادة طفيفة في الإيرادات الضريبية بفضل إجراءات تعبئة الموارد، خاصة من ضريبة الشركات التي ستسجل ارتفاعاً بنحو 0.8 نقطة مئوية من الناتج المحلي.
وفي المقابل، ستتراجع الإيرادات غير الضريبية بنحو 1% من الناتج المحلي، مع تقليص الحكومة لاستخدام آليات التمويل المبتكر مثل بيع وإعادة استئجار الأصول الحكومية، وهي أدوات وفّرت في السابق موارد مؤقتة لسد العجز، لكنها لا تعد مستدامة على المدى الطويل.
يتطابق مشروع موازنة 2026 مع التوقعات التي نشرتها الحكومة سابقاً، إذ كان البيان المالي متوسط المدى الصادر أواخر 2024، قد توقع عجزاً بنسبة 3% للعام المقبل، وتؤكد فيتش أن الاحتجاجات لم تؤثر جوهرياً في توجهات الحكومة المالية، ما يعزز مصداقية مسارها الإصلاحي.
كما تتوقع الوكالة أن يواصل الدين العام للحكومة المركزية انخفاضه إلى نحو 66% من الناتج المحلي في 2026، مقارنة بـ67% في 2025، وإن ظل أعلى من متوسط الديون للدول ذات التصنيف المماثل (نحو 52% في 2027).
وتشير فيتش إلى أن أبرز المخاطر التي قد تهدد هذا المسار المالي تتمثل في احتمال تجاوز النفقات على مشروعات البنية التحتية، لا سيما تلك المتعلقة باستضافة كأس العالم 2030، حيث يستعد المغرب لتنفيذ مشاريع ضخمة في مجالات المطارات والسكك الحديدية والملاعب والبنى التحتية للمياه والطاقة.
وتُقدّر الوكالة إجمالي تكلفة هذه المشاريع بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها ترجّح أن معظمها سيتم تمويله عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، دون أن يشكل عبئاً مباشراً على ميزانية الدولة.
ومع ذلك، تُحذر من أن توسيع نطاق الضمانات الممنوحة للمؤسسات العامة أو زيادة الإنفاق الحكومي المباشر على هذه المشاريع قد يُهدد مسار ضبط المالية العامة.
وترى فيتش أن استمرار المغرب في الاعتماد على مصادر إيرادات مستدامة بدل التمويل المؤقت يعزز متانة المالية العامة ويُقوي مسار خفض العجز.
وتخلص الوكالة إلى أن التزام الحكومة بالمسار المالي المحدد، رغم التحديات الاجتماعية والمشروعات الكبرى المقبلة، يعكس حرصاً على تحقيق توازن بين الاستقرار الاجتماعي والانضباط المالي.