logo
مقالات الرأي

الحق في اختيار بيئة الحوسبة.. سحابة عامة، خاصة، أم بنية تحتية داخلية؟

الحق في اختيار بيئة الحوسبة.. سحابة عامة، خاصة، أم بنية تحتية داخلية؟
البرمجيات الجديدة ستعتمد على التقنيات المعززة بالذكاء الاصطناعيالمصدر: wallispr

تخيل أن تستيقظ يوماً لتجد أن بياناتك، شريان أعمالك وثقة عملائك والسيادة الرقمية لبلدك لم تعد تحت سيطرتك. كل ذلك لمجرد أنك ضغطت على «أوافق» على شروط وأحكام مزود خدمة سحابية قبل ثلاث سنوات دون قراءتها.

بينما يمكنك الوصول إلى البيانات والتفاعل معها، فإنك لا تتحكم في النظام البيئي المحيط بها أو في كيفية تطورها وتغيرها.

هذه ليست مجرد تخيلات، بل واقع يومي لآلاف المؤسسات في الشرق الأوسط وخارجه.

أخبار ذات صلة

شعار "إنفيديا" على مبنى المقر الرئيسي للشركة في كاليفورنيا، يوم 21 مايو 2024،

السباق إلى الحوسبة السحابية.. هل تصبح إنفيديا خصماً لعملائها؟

بلغ حجم سوق الحوسبة السحابية العامة في الشرق الأوسط 38.5 مليار دولار أميركي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 235.7 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 19.86% خلال الفترة من 2025 إلى 2033. لا تزال الشركات الأميركية الكبرى تهيمن على أبرز مقدمي الخدمات العالميين في المنطقة.

تأخر اعتماد الحوسبة السحابية في الشرق الأوسط مقارنة بالمناطق الأخرى، ففي بعض الدول، أدت التكاليف المرتفعة وتفاوت جودة الاتصال الدولي، إلى جانب الغموض التنظيمي—خصوصاً فيما يتعلق بمواقع تخزين البيانات—إلى خفض الطلب. وإلى جانب صغر حجم السكان نسبياً وتركيز الاقتصادات بشكل كبير، ساهمت هذه العوامل أيضاً في تقييد عرض خدمات السحابة من قبل المزودين الدوليين.

استخدام السحابة المتعددة

لتخفيف بعض هذه المشكلات، لجأت المؤسسات، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى اعتماد إستراتيجية متعددة السحابات، بالعمل مع مزودين متنوعين لمنحها مرونة سحابية، وأمان إضافي، وفوائد اقتصادية، وقدرات نقل وتحويل التطبيقات بسهولة (Lift and Shift).

كان هناك افتراض بأن الشركات يمكنها نقل جميع أحمال العمل من مراكز البيانات إلى السحابة «كما هي»، ثم إعادة تصميمها لاحقاً للاستفادة من مزايا السحابة. ولكن في الواقع، نادراً ما كان يحدث هذا الخطوة التالية.

واليوم، تجد العديد من المؤسسات نفسها عالقة بأنظمة داخلية قديمة تم نقلها ببساطة إلى السحابة، بجانب تطبيقات سحابية جديدة تم تطويرها بواسطة جيل أصغر من المهندسين.

بالإضافة إلى ذلك، تتوزع البيانات عبر صوامع مختلفة، بدءاً من مجموعات ضخمة في مراكز البيانات القديمة، وصولاً إلى منصات إدارة علاقات العملاء (CRM) المقفلة من قبل المزودين والتي تحتوي على معلومات العملاء.

الاختيار والسيادة

في جوهر المشكلة تكمن مسألة أكثر أهمية من الحصة السوقية: الخصوصية والأمان.

تجد الشركات والحكومات نفسها تدريجياً مقيدة بمنصات خارجية تحدد القواعد، وبدلاً من قيادة الابتكار، ينتهي الأمر بالشركات بمحاولة مواكبة أنظمة الآخرين، بينما تكافح الجهات التنظيمية للتعامل مع منصات غامضة لا يمكن مراقبتها بالكامل.

النتيجة تبدو مألوفة بشكل مزعج: عالم رقمي تهيمن عليه قلة من اللاعبين المؤثرين، الذين لا تتوافق أولوياتهم بالضرورة مع مصالحنا. وهنا لم تعد السحابة مجرد خدمة، بل تصبح فخاً.

المخرج من الأزمة

ما العمل حيال ذلك؟

نحتاج الآن إلى نشر أنظمة تضمن بقاء البيانات في أيدي أصحابها الفعليين: الشركات والحكومات والمواطنين. وهذا يعني البناء وفق مرونة، ومعايير مفتوحة، ومصادر مفتوحة، لضمان استمرار التحكم للعميل.

ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى جزء جوهري من طريقة عمل المؤسسات، واعتماد الكثير على البنية التحتية السحابية، يتضح أننا بحاجة إلى خطوة أكبر.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الخاص (Private AI). فهو يتيح للشركات تشغيل الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وفق شروطها الخاصة، سواء في السحابة العامة، أو مركز بيانات خاص، أو إعداد سيادي، أو مخبأ معزول، أو حتى على أرضية المصنع مع تدفق بيانات المستشعرات من الآلات.

المهم هو أن تبقى البيانات آمنة، ويظل التحكم بيد المستخدم.

أخبار ذات صلة

من توقيع الاتفاقية بين مجموعة الإمارات للاتصالات وشركة «أمازون ويب سيرفيسز»، في دبي، الإمارات، يوم 16 مايو 2025.

إطلاق منصة سيادية إماراتية لتعزيز الحوسبة السحابية والتحول الرقمي

الأمن القومي، الابتكار، والأخلاقيات

هذه المسألة تتجاوز مجرد اهتمام فرق البنية التحتية.

  • الأمن القومي: تدرك الدول أن الاعتماد على مزودين أجانب لتدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي يمثل خطراً على السيادة. فماذا يحدث عندما تتغير الظروف الجيوسياسية؟ ماذا لو تم تقييد وصول الحكومة إلى بيانات مواطنيها بسبب التزامات قانونية أجنبية؟
  • الابتكار: لا يمكن للشركات الناشئة تحمل رسوم الخروج التي تعيق الاستكشاف. ولا ينبغي للجامعات تعديل أبحاثها لتتناسب مع قيود تجارية لمزود واحد فقط. إذا كان الذكاء الاصطناعي هو محرك القرن الحادي والعشرين، يجب ضمان أن يكون وقوده – أي البيانات والحوسبة – متاحاً وقابلاً للنقل.
  • الأخلاقيات: أحد أكبر المفاهيم المغلوطة في حوكمة الذكاء الاصطناعي هو الاعتقاد بأن الأخلاقيات يمكن إضافتها فوق الأنظمة المغلقة، وأنه يمكننا تنظيم التحيز في النماذج والعدالة الخوارزمية وقابلية التفسير، بينما يتم نشر النماذج الأكثر حساسية عبر واجهات برمجية خارجية تعمل في بيئات مغلقة. إنه مثل محاولة ضمان سلامة الطعام عبر تفقد القائمة فقط.

تبدأ الحوكمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي بحوكمة البنية التحتية. ويعني ذلك معرفة مكان استضافة النماذج، وتسجيل ومراجعة كل استنتاج، وضمان عدم تجاوز النماذج للحدود أو انتهاك قواعد الإقامة المحلية للبيانات دون موافقة. وكل هذا يصبح مستحيلاً عند الاعتماد على مزود واحد أو خدمات مدارة بالكامل تعمل كصناديق سوداء.

مستقبل الحوسبة السحابية: اختيار، لا وجهة

اليوم، تواجه المؤسسات خياراً صارماً: الاستمرار في الاعتماد المتزايد، مع تقبل التكاليف المرتفعة وفقدان الاستقلالية المصاحب لها، أو الانتقال إلى عالم تكون فيه البنية التحتية مرنة، والذكاء الاصطناعي سيادياً، والسحابة قدرة مملوكة وليست مؤجرة.

لا يكفي اختيار مزود مركز بيانات وشراء الأجهزة أو التفاوض على اتفاقية مع مزود سحابة. بل يجب أن يكونوا أمناء التحكم الكامل في البيانات داخل المؤسسة، من منظور الميزانية والامتثال.

التنظيم وحده لن يحل المشكلة، نحن بحاجة إلى الهندسة المعمارية، والبرمجيات، والإعدادات الافتراضية التي تمكّن ولا تحاصر. وهذه الهندسة موجودة الآن. ولأول مرة منذ عقد، هناك بديل حقيقي: فك الإمبراطوريات وجعل السحابة بسيطة لكل وحدة معالجة مركزية ووحدة معالجة رسومية على وجه الأرض.

لأن الحق في الحوسبة – مثل الحق في الكلام، والتفكير، والحكم – يجب أن يبقى في يد من يمتلك البيانات.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف