%3 هبوط أسعار العقارات في الرياض لأول مرة منذ 2022

كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية عن منعطف تاريخي في سوق العقارات بالمملكة، حيث سجلت الأسعار تراجعاً بنسبة 0.7% خلال الربع الأخير من عام 2025 على أساس سنوي.
ويعد هذا الانخفاض الأول من نوعه منذ الربع الأول من عام 2022، ويظهر أن السوق بدأت تدخل مرحلة تصحيح حقيقية بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وبدء نفاذ نظام جديد لتملك الأجانب للعقارات.
وحسب خبراء عقاريين تواصلت معهم «إرم بزنس» فإن التحول في السوق العقارية ليس وليد الصدفة، بل يأتي تتويجاً لحزمة متكاملة من الإجراءات الحكومية الحازمة التي أُطلقت خلال العام الماضي بهدف إعادة التوازن إلى سوق تعاني من ضغوط ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين العرض والطلب.
ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية يقود القطاع السكني، الذي يشكل نحو 72.7% من وزن المؤشر العقاري العام، موجة الانخفاض الحالية، حيث انخفض بنسبة 2.2% في الربع الأخير من 2025، مسجلاً أكبر هبوط له منذ بدء السلسلة الإحصائية الجديدة.
وكان لانخفاض أسعار الأراضي السكنية، التي تمثل وحدها ما يقارب 45.8% من المؤشر، الدور الأبرز في هذه الديناميكية، كما انخفضت أسعار الفلل والشقق والأدوار السكنية، مما عمّق من حدة التراجع.
ويرجع هذا الانخفاض إلى تراجع أسعار الأراضي السكنية بنسبة 0.9%، والشقق بنسبة 1.7%، في أكبر وتيرة تراجع منذ الربع الأول من 2022، إلى جانب تباطؤ نمو أسعار الفلل إلى 0.2% مقابل 3.2% في الربع السابق، وتراجع نمو أسعار الأدوار إلى 0.3% مقارنة بـ1.5%.
وعلى المستوى الجغرافي، تراجعت أسعار العقارات في منطقة الرياض بنسبة 3% خلال الربع الرابع من 2025، في أول انخفاض تشهده منذ نهاية 2022. وفي المقابل، تسارع نمو الأسعار في منطقة مكة المكرمة إلى 2.5%، بينما تباطأت وتيرة انكماش الأسعار في المدينة المنورة إلى 6.1% مقارنة بتراجع نسبته 8.1% في الربع السابق.
ويفسر الخبير العقاري قاسم الفالح في حديث مع «إرم بزنس» أسباب هذا التراجع إلى تأثيرات حزمة من الإجراءات الحكومية والتنظيمية الاستباقية التي تبنتها الحكومة السعودية خلال العام الماضي، بهدف تهدئة وتيرة ارتفاع الأسعار، وإعادة التوازن إلى السوق السكنية بعد موجة صعود قوية في الأعوام السابقة حيث ارتفعت الإيجارات بنسبة 25% بين مارس 2022 وسبتمبر 2024.
ويعتبر الفالح أن من أبرز هذه الإجراءات زيادة المعروض السكني بعد توجيه من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مارس الماضي، حيث تم رفع الإيقاف عن التطوير في 4 مناطق شمال الرياض بمساحة إجمالية تبلغ 81.48 كيلومتر مربع.
وتهدف هذه الخطوة، بحسب الفالح، إلى توفير ما يصل إلى 40 ألف قطعة أرض سنوياً للمواطنين على مدى خمس سنوات، بسعر مدعوم لا يتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.
ويضيف على ذلك تعديل رسوم الأراضي البيضاء في أبريل الماضي، حيث تم رفع الرسوم السنوية المرنة على الأراضي البيضاء غير المستغلة لتصل إلى 10% بدلاً من 2.5%، مع شمول العقارات الشاغرة للمرة الأولى، بهدف تحفيز الملاك على تطوير أراضيهم وزيادة المعروض، بدلاً من احتجازها للمضاربة. وتُطبق الرسوم على الأراضي والمباني التي تتجاوز 5 آلاف متر مربع.
وأخيراً، محاولة ضبط سوق الإيجارات عبر قرار تجميد زيادات الإيجارات حيث وافق مجلس الوزراء على تجميد أي زيادات سنوية في الإيجارات لمدة خمس سنوات داخل نطاق العاصمة الرياض، سواء في العقود القائمة أو الجديدة، بهدف تحقيق استقرار في السوق الإيجارية وحماية المستأجرين.
وفي سياق تقييم التغييرات الحادثة في سوق العقارات يعتبر الخبير العقاري عبد الرحمن عبدالله في حديثه مع «إرم بزنس» أن التراجع المسجل في أسعار العقارات السعودية ليس مجرد تقلب دوري عادي، بل هو نتاج سياسات ممنهجة تهدف لإعادة هيكلة السوق، ويرى أن نجاح هذه السياسات في تحقيق استقرار طويل الأمد مرهون بقدرتها على معالجة المعادلة الصعبة من زيادة المعروض بأسعار معقولة، مع الحفاظ على حافز الاستثمار الخاص، وحماية المستهلك.
ويتوقع عبدالله أن المرحلة القادمة ستكشف عما إذا كانت السعودية قادرة على قيادة سوقها العقارية نحو هبوط ناعم يصحح المسار دون إحداث صدمات، لتكون داعمة لرؤية 2030 ورفاهية المواطن.
ومن جانبه، يرى قاسم الفالح أن هذه الإجراءات، خاصة تلك المتعلقة بزيادة عرض الأراضي، تسير في الاتجاه الصحيح، مشيراً إلى أن توفير أراضٍ للمطورين يزيد من مستوى العرض الذي تحتاجه السوق.
واعتبر أن هذا هو الحل الجذري، متوقعاً حدوث تغييرات في أنماط العقارات المعروضة، مع اتجاه المطورين نحو بناء المزيد من الشقق والوحدات المتلاصقة ذات التكلفة الأقل، لتلبية الطلب من الشباب والأسر ذات الدخل المتوسط، حيث تشهد الرياض موجة بناء لنحو 100 برج سكني ومكتبي.
ورغم ذلك، يرى الفالح أن التحذير الأبرز يتمثل في احتمال حدوث فائض في قطاع المساكن الفاخرة، فبحلول عام 2030، من المتوقع تسليم أكثر من مليون وحدة سكنية جديدة في المملكة، وقد يتم تسعير جزء كبير منها بأكثر من 3.7 مليون ريال، وهو سقف يفوق القدرة الشرائية لأغلب الأسر السعودية، حيث لا تتجاوز نسبة من يكسبون أكثر من 50 ألف ريال شهرياً 4% من السكان.
وتزامناً مع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار، الذي يفتح مسارات منظمة للاستثمار الأجنبي، ويعزز جاذبية السوق العقارية السعودية، اختتمت في يوم الأربعاء 28 يناير 2026 أعمال منتدى مستقبل العقار بنسخته الخامسة، تحت شعار «آفاق تتسع وعقارات تزدهر»، برعاية وزير البلديات والإسكان رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للعقار ماجد بن عبدالله الحقيل.
وأكدت توصيات المنتدى أن بدء سريان النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار يمثل تحولاً نوعياً في مسار السوق العقارية السعودية، من خلال جمعه بين الخصوصية المحلية والانفتاح العالمي، وتوفيره إطاراً تنظيمياً واضحاً يعزّز الشفافية، ويحمي الحقوق، ويوازن بين جذب الاستثمار واستدامة التنمية، وأن هذا النظام يعكس انتقال المملكة من سوق واعدة إلى منصة عالمية تُصاغ فيها السياسات العقارية، وتُختبر فيها النماذج التنظيمية، وتُبنى عليها المعايير، بما يرسخ موقعها مرجعية دولية في تنظيم الأسواق العقارية وربط المستثمرين العالميين بالفرص المحلية.