
مباحثات مع شيفرون وتوتال و«قطر للطاقة» لاستكشاف الغاز في البحر المتوسط
خطة لبناء مصفاة في منطقة فرقلوس بطاقة عن 150 ألف برميل يومياً
لسنوات طويلة عانى السوريون من نقص المحروقات والغاز والكهرباء، وتوزعت حقول النفط والغاز بين مناطق خارجة عن السيطرة، أو أخرى تعمل بجزءٍ بسيط من طاقتها الفعلية.
لكن التحولات التي يشهدها القطاع اليوم توحي بأن سوريا تدخل مرحلة مختلفة؛ شركة بترول وطنية جديدة، اتفاقيات مع شركات دولية، خطوط أنابيب يعاد بناؤها، ومصافٍ حديثة قيد التخطيط.
يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول (SPC)، يضع هذه الخطوات ضمن إطار أكبر يسميه «خطة 2030»، ويعتبر أنها تمهّد لحدث غير مسبوق في تاريخ قطاع الطاقة السوري: إدراج الشركة في أسواق المال العالمية.
يقول قبلاوي إن كل المشاريع الجارية حالياً، من زيادة إنتاج الغاز إلى بناء مصفاة جديدة وتحديث شبكة الأنابيب، ليست مجرد عمليات إنقاذ قصيرة الأمد، بل جزء من خطة إستراتيجية تمتد حتى عام 2030.
في ذلك العام، كما يوضح، يُفترض أن تكون الشركة قد اكتملت بنيتها التشغيلية والمالية، وأصبحت قادرة على العمل بمعايير عالمية، ما يسمح بطرح جزء من أسهمها للتداول في الأسواق العالمية على غرار التجارب الكبرى في المنطقة، خاصة طرح شركة أرامكو.
بالنسبة له، المطلوب خلال السنوات الخمس المقبلة، هو تثبيت دعائم 4 ركائز أساسية: الإنتاج، التكرير، البنية التحتية، والحَوْكَمة. بعد ذلك، يجري تقييم شامل لقيمة الشركة، بما يشمل حقول الغاز الجديدة، والمصفاة الحديثة، وشبكات الأنابيب المجددة، والمشاريع المحتملة في البحر المتوسط. عندها فقط يمكن التوجه نحو الأسواق المالية بثقة، وعرض الشركة ككيان استثماري مكتمل، قادر على توسيع أعماله داخل سوريا وخارجها، وربما التوجه إلى بحر قزوين أو شمال أفريقيا كما يقول.
يقول قبلاوي إن فكرة إنشاء الشركة السورية للبترول بدأت فعلياً في يونيو 2025، تحت توجيه مباشر من الرئيس أحمد الشرع، وبدعم سياسي من السعودية عبر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. جاءت الفكرة من مبدأ أن سوريا تحتاج شركة وطنية للطاقة تشبه الشركات الكبرى في المنطقة، مثل «أرامكو» و«أدنوك» و«قطر للطاقة»، ولكن بنسخة تراعي خصوصية البلاد، ومرتبطة مباشرة برئاسة الدولة لضمان المرونة، وسرعة اتخاذ القرار.
الشركة أُنشئت ككيان مستقل لا يتبع منظومة البيروقراطية الحكومية التقليدية، ويرأس مجلس إدارتها وزير الطاقة محمد البشير، بينما تتولّى الشركة التنفيذ المباشر لخطط الاستثمار والتطوير، مع هيكلية جديدة أقرب إلى نماذج الشركات العالمية، تشمل مجال الاستكشاف والإنتاج، ومجال النقل والتخزين، ومجال التكرير والمشتقات النفطية، إضافة إلى أقسام الدعم الفني والقانوني والهندسي والمالي.
ويؤكد قبلاوي أن هذا التحول يعني إنهاء نموذج المؤسسات المشتتة القديمة، وبداية وجود مركز قرار واحد واضح.
ينطلق قبلاوي في توصيفه للإنتاج من حقيقة أن سوريا عملياً مقسومة إلى منطقتين من ناحية الطاقة. شرق الفرات، حيث يوجد الجزء الأكبر من النفط الخفيف والغاز، لا يزال خارج السيطرة الحكومية، والإنتاج فيه لا يدخل في حسابات الشركة السورية للبترول.
أما غرب الفرات، وهو المنطقة التي تعمل فيها الشركة حالياً، فينتج نحو 10 آلاف برميل نفط يومياً بمزيج من الخفيف والثقيل والمكثفات، إلى جانب 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً. معظم هذا الغاز يذهب لمحطات الكهرباء، فيما يتم استيراد الغاز الإضافي لتغطية النقص في التوليد.
ورغم تواضع هذه الأرقام مقارنة بالإمكانات الطبيعية لسوريا، يؤكد قبلاوي أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة واضحة، وأن العمل التقني بدأ بالفعل على رفع الإنتاج بطريقة منظمة وسريعة.
يعد قبلاوي أن الغاز هو المفتاح الأول لإعادة تشغيل عجلة الكهرباء والصناعة. لهذا السبب تم توقيع اتفاقيات مع شركات دولية، أبرزها كونوكو فيليبس، إضافة إلى شركات سعودية مثل طاقة و«أديس». هذه الشركات بدأت فعلاً العمل على إعادة تأهيل الحقول القائمة، وتبادل البيانات الجيولوجية، وتحديد الآبار القابلة للزيادة الفورية.
ويكشف قبلاوي أن الخطة الموضوعة ستضيف نحو 5 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال مدة تتراوح بين 10 أشهر وسنة، ما يعني عملياً مضاعفة الإنتاج الحالي تقريباً. ومع دخول 4 محطات كهرباء جديدة يتم إنشاؤها مع UCC خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، ستحتاج سوريا لهذه الكميات لضمان استقرار الكهرباء على المدى الطويل.
قال قبلاوي إن سوريا تمتلك 5 بلوكات بحرية ضخمة في البحر المتوسط، تُعد من أكثر المواقع الواعدة في شرق المتوسط، وإن مفاوضات تجرى، حالياً، مع عدد من الشركات المهتمة بها، تشمل: شيفرون الأميركية، وتوتال الفرنسية، وقطر للطاقة، وكلها شركات تعمل في المياه العميقة وتملك التكنولوجيا اللازمة للحفر في أعماق تتجاوز 5 آلاف متر.
وأضاف أن «شيفرون» زارت دمشق مؤخراً، وستعود، في ديسمبر، للقاء الرئيس الشرع لبحث التفاصيل النهائية.
وكشف قبلاوي، أنه يعتزم الاجتماع مع «قطر للطاقة» و«توتال» لإنجاز مذكرات تفاهم خلال الربع الأول من 2026، تتحول، لاحقاً، إلى عقود كاملة، للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.
وأوضح أن الاستثمار البحري مكلف ويحتاج بين 6 و 8 سنوات قبل خروج أول متر مكعب من الغاز، لكنه إذا نجح سيكون كفيلاً بتحويل سوريا إلى دولة مُصدّرة للغاز.
قال قبلاوي، إن المنحة السعودية البالغة مليوناً وستمائة وخمسين ألف برميل نفط خفيف، شكلت دعماً حيوياً لمصفاة بانياس التي تحتاج إلى النفط الخفيف لتكرير البنزين والديزل. ويشرح أن سوريا بحاجة إلى نحو مليونين ونصف المليون برميل شهرياً لتشغيل المصفاة بطاقة تصل إلى 100 ألف برميل يومياً، وأن المنحة مع المخزون الحالي تكفي لتأمين الاحتياجات حتى نهاية ديسمبر.
وأشار إلى أن الشركة السورية للبترول، وقعت عقود توريد نفط خام خفيف شهرية إضافية، ريثما تتم استعادة السيطرة على حقول النفط الخفيف في شرق الفرات. ويصف قبلاوي المنحة بأنها كانت «عاملاً حاسماً لمنع أزمة محروقات جديدة».
يتناول قبلاوي ملف المصافي باعتباره حجر الأساس في إعادة تنظيم قطاع النفط السوري. مصفاة بانياس ستدخل صيانة كبرى بين يونيو وأكتوبر 2026، ما سيرفع طاقتها التشغيلية إلى حدود 130 ألف برميل يومياً. أما مصفاة حمص، فيصفها بأنها «متهالكة وغير صالحة للاستمرار» بسبب عمرها وموقعها القريب من الأحياء السكنية، ما يجعل إغلاقها التدريجي قراراً ضرورياً.
الخطة البديلة هي بناء مصفاة جديدة في منطقة فرقلوس شرق حمص بطاقة لا تقل عن 150 ألف برميل يومياً، باستخدام تقنيات حديثة تشمل احتجاز الكربون وتشغيل المصفاة بالغاز الطبيعي. المصفاة الجديدة تحتاج ما بين 30 و 35 شهراً للإنجاز، وستتحول، لاحقاً، إلى المركز الرئيس لعمليات التكرير في سوريا.
أما موقع مصفاة حمص القديمة فسيُعاد استثماره إما كمقر مركزي للشركة السورية للبترول على غرار المقار الضخمة لشركات الطاقة العالمية، أو كمشروع عمراني متكامل يضم إسكاناً وخدمات، نظراً لقيمة الأرض وموقعها الإستراتيجي.
يشرح قبلاوي أن شبكة الأنابيب السورية متهالكة بدرجة كبيرة، سواء لخطوط الغاز أو النفط أو المشتقات. لهذا السبب تعمل الشركة على خطة متعددة المراحل تبدأ باستكمال الجزء غير المنجز من خط الغاز العربي بين حمص وحلب بطول 185 كيلومتراً، وهو مشروع يمكن إنجازه خلال 14 إلى 16 شهراً من لحظة توقيع العقد.
أما خط النفط الممتد من العراق إلى طرطوس، فيعد تالفاً بالكامل، ويحتاج إعادة بناء من الصفر، وهو مشروع يتطلب تمويلاً إقليمياً وتعاوناً سورياً عراقياً لأنه يشكل منفذاً إستراتيجياً لتصدير النفط العراقي عبر المتوسط. ويضيف قبلاوي أن خطوط البنزين والديزل التي تربط المحافظات بحاجة أيضاً لإعادة تأهيل كي تتوقف الدولة عن الاعتماد المكلف على الصهاريج.
يرى قبلاوي أن الجزء الأكبر من الثروة النفطية السورية موجود في شرق الفرات تحت سيطرة «قسد»، وأن أي تحول حقيقي في القطاع سيأتي بعد عودة هذه المنطقة إلى السيطرة الحكومية.
ويشير إلى أن هناك اتفاقات سياسية غير منفّذة بعد، وأن الشهرين المقبلين قد يشهدان تطوراً كبيراً في هذا الملف. ويتوقع أن تعود الشركات الأجنبية التي كانت تعمل سابقاً بمجرد أن تستعيد الدولة سيطرتها على الحقول.
لكن التحدي الأكبر، كما يقول، أن الحقول في تلك المنطقة استُنزفت بطريقة «تؤذي الآبار نفسها» وبأساليب بدائية، ما يعني أن إعادة تأهيلها ستحتاج وقتاً، واستثمارات كبيرة.
في ختام حديثه، يدعو قبلاوي المهندسين السوريين في الخارج إلى العودة للعمل داخل البلاد، مؤكداً أن «المرحلة المقبلة ستكون غنية بالفرص، وأن البلد بحاجة لكل كفاءة وخبرة» مع دخول مشاريع الطاقة الكبرى إلى التنفيذ الفعلي.