
في الوقت الذي يتحول فيه الذكاء الاصطناعي إلى أحد أسرع محركات النمو في الاقتصاد، ظهرت فجوة جديدة في سوق العمل العالمي، والأميركي تحديداً، قد تكون لها تداعيات طويلة الأمد على توزيع الدخل والفرص المهنية. فقد كشفت بيانات جديدة من «لينكدإن» أن النساء حصلن على نسبة 26% فقط من التعيينات الجديدة في وظائف الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خلال عام 2025، مقابل 74% للرجال.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن وظائف الذكاء الاصطناعي تعد من بين الأسرع نمواً والأعلى أجراً في وقت يشهد فيه سوق العمل الأميركي تباطؤاً نسبياً. وبذلك، لا تتعلق المشكلة بمجرد انخفاض تمثيل النساء في قطاع تقني جديد، بل باحتمال استبعادهن من الوظائف التي قد تكون الأكثر تأثيراً في الدخل والقيادة وصناعة القرار خلال السنوات المقبلة.
وفق بيانات «لينكدإن»، شكل الرجال 74% من الموظفين الجدد في وظائف الذكاء الاصطناعي خلال 2025، مقابل 26% للنساء. وتختلف الصورة بشكل واضح عند النظر إلى الوظائف خارج الذكاء الاصطناعي، حيث كانت النساء يمثلن نحو نصف التعيينات الجديدة.
اقتصادياً، يشير هذا الفارق إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تتوزع بالتساوي على القوى العاملة. فبينما تتوسع الشركات في الاستثمار في التقنيات الجديدة، يبدو أن النساء لا يحصلن على حصة مماثلة من الوظائف التي تنشأ حول هذه الاستثمارات.
ولا تكمن أهمية ذلك في عدد الوظائف وحده، إذ إن وظائف الذكاء الاصطناعي، رغم أنها لا تزال تمثل شريحة صغيرة من إجمالي سوق العمل، تتمتع بتأثير اقتصادي أكبر من حجمها بسبب ارتفاع الأجور والطلب المتزايد عليها.
تكشف تفاصيل البيانات عن جانب أكثر إثارة للقلق. فكلما ارتفع مستوى الأجر والتخصص التقني، بدا تمثيل الرجال أكبر.
ومن أبرز الأمثلة وظيفة «عضو في الطاقم التقني» وهي وظيفة منتشرة في مختبرات الذكاء الاصطناعي، وتجمع عادة بين البحث المتقدم وهندسة البرمجيات الشاملة. في عام 2025، ذهبت نسبة 82% من التعيينات الجديدة لهذه الوظائف إلى الرجال، بينما بلغ متوسط الأجر لهذه الوظيفة خلال 2026 نحو 223 ألف دولار سنوياً.
في المقابل، تظهر وظيفة «مُصنّف البيانات» صورة مختلفة تماماً، إذ يتقارب تمثيل الرجال والنساء فيها عند نحو 50% لكل طرف، لكن متوسط الأجر لهذه الوظيفة يبلغ حوالي 51 ألف دولار فقط سنوياً.
ويوضح هذا الفرق أن القضية لا تتعلق فقط بدخول النساء إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وإنما بنوعية الوظائف التي يصلن إليها.
من منظور اقتصادي، قد تكون هذه الظاهرة أكثر أهمية من أرقام التوظيف نفسها. فإذا ركزت النساء في الوظائف الأقل أجراً داخل منظومة الذكاء الاصطناعي بينما استحوذ الرجال على الوظائف التقنية والبحثية والقيادية الأعلى دخلاً، فإن الطفرة التكنولوجية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج فجوة الأجور داخل قطاع جديد.
وتحذر سارة ستينبرغ، رئيسة شراكات السياسة العامة العالمية في «لينكدإن»، من أن النساء قد يكنّ جزءاً من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكن ليس بالضرورة في الوظائف الأكثر قدرة على دفع الحراك الاقتصادي طويل الأجل والقيادة وصناعة القرار.
وهنا يتحول الأمر إلى قضية اقتصادية تتجاوز قطاع التكنولوجيا. فالوظائف ذات الأجور المرتفعة تمنح العاملين قدرة أكبر على الادخار والاستثمار وامتلاك الأصول، كما تفتح الطريق أمام المناصب القيادية. وإذا لم تحصل النساء على حصة متناسبة منها، فقد تتسع الفجوة الاقتصادية مع مرور الوقت.
وتأتي هذه التطورات في سياق تاريخي كانت فيه النساء أقل تمثيلاً في قطاع التكنولوجيا، ولا سيما في الوظائف التقنية والمناصب القيادية. واللافت أن الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن تمثل بالضرورة فرصة لإعادة توزيع الفرص، تبدو وكأنها تعمق بعض الاختلالات القديمة.
كما أن الوجوه الأكثر ظهوراً في صناعة الذكاء الاصطناعي ما زالت في معظمها من الرجال، وهو ما يعكس فجوة أخرى تتعلق بالتمثيل والقدوة والتأثير في رسم مستقبل الصناعة.
يجب في الوقت نفسه عدم النظر إلى سوق وظائف الذكاء الاصطناعي باعتباره كتلة واحدة. فالبيانات نفسها تظهر تفاوتاً كبيراً بين الوظائف. ويعني ذلك أن معالجة الفجوة لن تتطلب فقط زيادة عدد النساء في القطاع، وإنما تسهيل وصولهن إلى المسارات الأكثر تخصصاً والأعلى أجراً.
وتشير بيانات «لينكدإن» إلى أن الشركة اعتمدت على ملفات المستخدمين والأعضاء للحصول على بيانات التوظيف، بينما جرى تحليل إعلانات الوظائف للحصول على معلومات التعويضات.