عوائد السندات تضغط على شهية المخاطر في سوق الكريبتو
قواعد أميركية جديدة واجتماع ترامب يرفعان رهان المتداولين

سيطرت عمليات تصفية مراكز البيع على تداولات «بيتكوين» خلال الـ24 ساعة الماضية، مع اندلاع موجة بيع أوسع في سوق الأسهم العالمية قادتها شركات الرقائق وأشباه الموصلات، في تحول حاد في شهية المخاطر.
جاء ذلك في وقت اشتعلت فيه عوائد السندات العالمية قبل أن تنخفض اليوم، بقيادة سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً، التي قفزت إلى ذروة عقدين، في ظل المخاوف من اشتعال التضخم مع استمرار ارتفاع أسعار النفط.
وينصب تركيز الأسواق الآن على محضر أحدث اجتماع للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المسؤولة عن تحديد السياسة النقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والمقرر صدوره في وقت لاحق اليوم، بحثاً عن مؤشرات حول مسار أسعار الفائدة.
استقر سعر «بيتكوين»، يوم الأربعاء، مع قيام أسواق العملات المشفرة بتحليل المقترحات التنظيمية الجديدة من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، في حين استمرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
وأثرت التوقعات بظهور المزيد من المؤشرات التنظيمية من اجتماع مرتقب في البيت الأبيض على العملات المشفرة، في حين أبقى التحول الأوسع نحو تجنب المخاطر في الأسواق المالية، وسط ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، العملات المشفرة في موقف دفاعي.
وانخفض سعر «بيتكوين» بنسبة 0.2% إلى 64169 دولاراً بحلول الساعة 06:20 بتوقيت غرينتش.
سجل سوق العقود الآجلة الدائمة للعملات المشفرة تصفيات إجمالية بلغت نحو 86 مليون دولار خلال الـ24 ساعة الماضية، حيث استحوذت «بيتكوين» على غالبية هذه العمليات.
وتشير بيانات من منصات التداول الرئيسية إلى تصفية مراكز «بيتكوين» بقيمة 59.12 مليون دولار، غالبيتها العظمى مراكز بيع بنسبة 93.53%. وتلتها «إيثيريوم» بتصفية مراكز بقيمة 12.05 مليون دولار، غالبيتها مراكز بيع بنسبة 74.56%.
تصفية المراكز القصيرة قد ترفع السعر مؤقتاً بفعل الشراء القسري، لكنها لا تعني بالضرورة دخول أموال جديدة إلى السوق؛ ولذلك يجب الفصل بين «الارتداد الناتج عن التصفية» و«تحول شهية المستثمرين» الحقيقي.
يشير تركز عمليات التصفية في مراكز البيع على المكشوف لكل من «بيتكوين» و«إيثيريوم» إلى تعرض المتداولين الذين راهنوا على انخفاض الأسعار لضغط مفاجئ، مع تحرك السوق في الاتجاه المعاكس لتوقعاتهم، بالتزامن مع موجات بيع أوسع اجتاحت سوق الأسهم العالمية.
عندما يتحرك السعر عكس مركز البيع، تقوم منصات التداول بإغلاق الصفقة قسراً لمنع الخسائر من تجاوز الهامش، مما يؤدي إلى سلسلة من عمليات التصفية التي قد تضخم تحركات الأسعار.
وتُعد بيانات التصفية مؤشراً رئيسياً إلى معنويات السوق ومستويات الرافعة المالية، وغالباً ما تشير الأحجام الكبيرة من تصفية المراكز القصيرة إلى أن المتداولين كانوا متشائمين بدرجة كبيرة، ما دفعهم إلى الخروج القسري من مراكزهم مع تحرك الأسعار عكس توقعاتهم.
في المقابل، قد تشير تصفية المراكز الطويلة إلى توقف زخم الصعود، وفي سياق أوسع، شهد سوق العملات الرقمية تقلبات كبيرة، حيث تداولت «بيتكوين» ضمن نطاق محدد خلال الأسبوع الماضي، وتُعد عمليات التصفية شائعة خلال فترات عدم اليقين الشديد.
كتب محللو «كريبتو كوانت كابيتا» في تقرير: «تكشف هذه التصفية عن مفارقة مهمة في السوق؛ فالمستثمرون كانوا يراهنون على استمرار الهبوط، لكن ارتفاع السعر أجبر بعضهم على إغلاق مراكزهم، ما يعني أن الضغط الحالي لا يأتي فقط من البيع الفعلي، بل أيضاً من إعادة تموضع المتداولين تحت ضغط الرافعة المالي»..
بالنسبة إلى المتداولين الذين يستخدمون الرافعة المالية، تُعد هذه الأرقام بمثابة تحذير بشأن مخاطرها، فحقيقة أن غالبية عمليات التصفية كانت لمراكز بيع على المكشوف في «بيتكوين» و«إيثيريوم» تشير إلى أن العديد من المتداولين كانوا يراهنون على مزيد من الانخفاض، وهو ما لم يتحقق بالسرعة التي توقعوها.
وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تسعير سريعة للأصول مع دخول أوامر الشراء القسري إلى سجلات الأوامر، مما قد يخلق زخماً قصير الأجل قد يُسيء المتداولون الأفراد تفسيره على أنه تحول جوهري في الاتجاه.
يرى محللو «10 إكس ريسرش» أن «بيتكوين» تتحرك حالياً داخل معادلة أوسع لشهية المخاطر؛ فارتفاع عوائد السندات يرفع تكلفة الفرصة البديلة للأصول التي لا تدر عائداً، بينما يؤدي تراجع أسهم التكنولوجيا إلى تقليص الإقبال على الأصول عالية المخاطر، ما يجعل أي ضعف في الأسهم قابلاً للانتقال سريعاً إلى سوق العملات المشفرة.
وتترقب سوق العملات المشفرة نتائج اقتراح هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أمس بشأن قواعد جديدة تهدف إلى إنشاء إطار عمل مصمم خصيصاً لعقود استثمار معينة تتضمن أصولاً مشفرة.
ويقترح مشروع القانون، المسمى «تنظيم الأصول المشفرة»، استثناءين من متطلبات تسجيل الأوراق المالية. ويسمح أحدهما للجهات المصدرة المؤهلة بجمع ما يصل إلى 5 ملايين دولار على مدى أربع سنوات، بينما يسمح الآخر بطرح ما يصل إلى 75 مليون دولار في أي فترة 12 شهراً.
قال رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، بول أتكينز: «يهدف المقترح إلى منح رواد الأعمال في مجال العملات الرقمية والمشاركين في السوق مسارات واضحة لجمع رؤوس الأموال بموجب قوانين الأوراق المالية الفيدرالية».
وأضاف: «تماشياً مع التوجيهات التفسيرية السابقة للهيئة، ستتيح الخطة أيضاً ملاذاً آمناً بمجرد أن يُكمل المُصدر أو يتوقف نهائياً عن الجهود الإدارية الأساسية التي تعهد بها بموجب عقد استثماري».
وفقاً لتقارير أميركية، من المتوقع أن ينضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جلسة في البيت الأبيض للجنة الابتكار التي شكلتها إدارته حديثاً اليوم الأربعاء.
ومن المتوقع أن يضم الاجتماع الرؤساء التنفيذيين لشركات العملات المشفرة وأسواق التنبؤ، إلى جانب ممثلين عن قطاع التمويل التقليدي والذكاء الاصطناعي.
ومن المقرر أن يعقب اجتماع البيت الأبيض اجتماع متابعة في لجنة تداول السلع الآجلة في اليوم التالي، إذ تشرف هذه اللجنة على لجنة الابتكار التي تجتمع غداً الخميس لمواصلة النقاش حول تنظيم العملات المشفرة.
وتأتي تطورات هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة في الوقت الذي فشلت فيه الجهود المبذولة لتمرير قانون الوضوح «كلاريتي»، وهو إصلاح تنظيمي رئيسي للعملات المشفرة في الولايات المتحدة، في الكونغرس.
وتأتي هذه التحركات التنظيمية في وقت تحاول فيه واشنطن تقديم مسار أكثر وضوحاً لصناعة العملات المشفرة، لكن غياب تشريع شامل من الكونغرس يبقي السوق أمام قواعد قد تتغير مع تطور المواقف السياسية والتنظيمية.
ولا تبدو «بيتكوين» أمام اختبار سعري فقط، بل أمام اختبار لشهية المخاطر بأكملها؛ فإذا استمرت عوائد السندات في الارتفاع، فقد يبقى الضغط قائماً على العملات المشفرة، لكن استمرار تصفية مراكز البيع على المكشوف قد يخلق موجات صعود حادة ومفاجئة.
وبينما تمنح التحركات التنظيمية الأميركية السوق أملاً في وضوح أكبر، يبقى اتجاه «بيتكوين» مرتبطاً في الأجل القريب بما إذا كان المستثمرون سيعودون إلى المخاطرة أم يواصلون الاحتماء بالدولار والسندات.