سبتمبر الفرصة الأخيرة قبل انتخابات التجديد النصفي
أسواق التنبؤ ترصد صعوبات كبيرة في طريق القانون

يبدو أن عقبة جديدة ظهرت في طريق قانون «كلاريتي» (CLARITY Act)، وهو القانون الذي يعوّل عليه مجتمع العملات المشفرة لجذب مليارات الدولارات إلى سوق الكريبتو، وتعزيز التبني المؤسسي، بما يمثل علامة فارقة في تاريخ البلوكتشين.
وأرجأ مجلس الشيوخ الأميركي التصويت على قانون «كلاريتي» الخاص بتنظيم سوق العملات الرقمية إلى سبتمبر 2026، ما أدى إلى تأجيل الجدول الزمني التشريعي قبل بدء العطلة الصيفية في أغسطس.
وتكمن أهمية القانون بالنسبة للسوق في أنه قد يضع للمرة الأولى إطاراً اتحادياً أكثر وضوحاً لتحديد الأصول الرقمية التي تخضع لرقابة هيئة الأوراق المالية وتلك التي تدخل ضمن اختصاص هيئة تداول السلع الآجلة، وهو ما قد يقلل حالة عدم اليقين التنظيمي التي طالما اعتبرتها شركات العملات المشفرة عائقاً أمام الاستثمار المؤسسي.
ولا يقتصر الخلاف على توقيت التصويت، إذ إن تمرير القانون يتطلب تجاوز عقبة إجرائية مهمة في مجلس الشيوخ، فضلاً عن استمرار الخلافات حول التمويل اللامركزي، وتصنيف بعض الأصول الرقمية، والقيود المرتبطة بتضارب المصالح. وبالتالي، فإن نافذة منتصف سبتمبر قد تكون قصيرة، لكنها لن تكون بالضرورة سهلة.
قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون: «أصر الديمقراطيون على عدم إجراء تصويت توضيحي»، وأضاف: «سندرج هذا الأمر ضمن أولوياتنا فور عودتنا في سبتمبر».
وتمثلت أبرز أسباب التأجيل في وجود مسائل أخلاقية عالقة، ومخاوف تنظيمية، وعدم التوصل إلى اتفاق بين الحزبين، ولا تزال الخلافات قائمة بشأن تصنيفات الرموز، ومسؤوليات التمويل اللامركزي (DeFi)، وحدود السلطة التنظيمية بين هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة.
ويركز الديمقراطيون في مجلس الشيوخ على تضمين إطار عمل أكثر وضوحاً بشأن أخلاقيات الحكومة، وقد تضمن عرض مضاد خلال مفاوضات اللحظات الأخيرة شرطاً للتخلي عن الاستثمارات.
ومن شأن هذا الشرط أن يلزم المسؤولين الفيدراليين والرئيس دونالد ترامب ببيع حصصهم في شركات الأصول الرقمية إذا تجاوزت قيمة الحصة مليون دولار أو بلغت أكثر من 10% من قيمة الشركة.
كشف الإفصاح المالي السنوي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الصادر في منتصف عام 2026، عن تحقيقه أكثر من 1.4 مليار دولار من أنشطة ومشروعات عائلته المرتبطة بالعملات المشفرة خلال عام 2025، متفوقة على إيرادات الفنادق وملاعب الغولف.
وهنا تظهر المفارقة السياسية في القانون: فالرئيس ترامب يدفع باتجاه تعزيز الإطار التنظيمي للعملات المشفرة، بينما تكشف بيانات الإفصاح المالي عن ارتباط مالي واسع لعائلته بهذا القطاع. ولذلك يطالب الديمقراطيون بقيود أخلاقية أكثر صرامة قبل منح القانون دعماً كافياً من جانبهم.
وسط الاضطرابات التقنية والأمنية، ازداد إقبال المؤسسات على «بيتكوين»، إذ أفاد كبير محللي صناديق المؤشرات المتداولة في «بلومبرغ» إريك بالتشوناس بأن صناديق المؤشرات المتداولة الفورية لـ«بيتكوين» في الولايات المتحدة جذبت ما يقارب مليار دولار من صافي التدفقات خلال الأسبوع الماضي.
ويُعد هذا الأسبوع الأقوى لها منذ أبريل، وثالث أعلى مستوى لها منذ أكتوبر 2025. وقال بالتشوناس إن الاختراق الأخير لمنصة «كولد كارد» و«بيتكوين باي» ربما دفع بعض المستثمرين إلى تفضيل منتجات استثمارية منظمة مثل صناديق المؤشرات المتداولة، مع إقراره بأن هذا الارتباط لا يزال محل تكهنات.
بالإضافة إلى ذلك، رصدت شركة «سانتيمينت»، المتخصصة في تحليلات البلوك تشين، خلال الأسبوع الماضي ظهور 2.27 مليون محفظة جديدة على البلوك تشين، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ عام.
ولا تعني زيادة تدفقات صناديق «بيتكوين» أن المؤسسات تنتظر قانون «كلاريتي» تحديداً، لكنها تكشف أن الطلب المؤسسي أصبح موجوداً بالفعل، وأن وضوح القواعد قد يكون العامل الذي يحدد مدى اتساع هذا الطلب وانتقاله من منتجات استثمارية محددة إلى نطاق أوسع من سوق الأصول الرقمية.
تماشياً مع اتجاه الأسابيع القليلة الماضية، تجاهلت العملات المشفرة الكبرى في البداية تأجيل قانون «كلاريتي»، ما عزز وجهة النظر القائلة إن مثل هذه التأخيرات أصبحت مسعرة إلى حد كبير في تحركات السوق اليومية.
ولا تزال أسواق التنبؤ منقسمة؛ إذ تشير «بولي ماركت» إلى احتمال بنسبة 14% لتمرير القانون، بينما تشير «كالشي» إلى احتمال بنسبة 67% لنجاح هذا السيناريو في عام 2026، وبعد تصريحات ثون، حافظت «بيتكوين» على مستوى 64000 دولار، وهو متوسط سعرها اليومي منذ 5 يوليو.
وتكشف هذه الاستجابة المحدودة عن مفارقة مهمة: فقد أصبح السوق أقل حساسية لتأجيل قانون «كلاريتي» على المدى القصير، لكنه لا يزال يحتاج إلى محفز جديد لاختراق مستويات المقاومة الرئيسية، ما يجعل التشريع أحد العوامل التي قد تعيد تشكيل توقعات المستثمرين على المدى المتوسط.
استمر الطلب على صناديق المؤشرات المتداول ة الفورية للشهر الثاني على التوالي، حيث سجل يوم 6 أغسطس تدفقات نقدية بقيمة 626 مليون دولار.
وفي الوقت نفسه، أظهر مؤشر الخوف والطمع في سوق العملات الرقمية استمرار حالة الخوف لدى المستثمرين، عند مستوى 39.
ولا تزال أسواق العقود الآجلة تهيمن على حركة الأسعار، إذ استوعب المشترون الذين اشتروا بأسعار مخفضة عمليات البيع المدفوعة بالتصفية عند حوالي 62000 دولار.
وبحلول 6 أغسطس، كانت تدفقات «بيتكوين» الفورية والعقود الآجلة في مراكز الشراء الصافية قد بلغت 1.46 مليار دولار، ما زاد الضغط على السقف الحالي عند 65000 دولار.
وبلغت تدفقات جلسة 7 أغسطس في آسيا ونيويورك مجتمعة 752 مليون دولار على مدى شمعتين، مدة كل منهما 4 ساعات، بحسب تقرير منصة تحليل البيانات «غلاسنود».
كتب المحلل فريدريك ثيسن من شركة «غلاسنود» في مذكرة للمستثمرين: «طلب المؤسسات على «بيتكوين» خلال العامين الماضيين لا يزال يتراجع، وعلى الرغم من كونها متأخرة في السوق، إلا أن النظرة السلبية لـ«بيتكوين» لا تزال قائمة، ويبدو أن تدفق الأخبار السلبية قد تم تسعيره بالفعل».
وأضاف ثيسن: «لا يزال سعر «بيتكوين» في مرحلة استقرار وتوطيد دورية، وهي مرحلة معتادة في هذه المرحلة من كل دورة مدتها أربع سنوات. تتغير العوامل المحفزة والشخصيات المؤثرة مع كل دورة، لكن اتجاهات حركة السعر تبقى ثابتة إلى حد كبير».
وشهد شهر يونيو قيام خزائن الشركات والصناديق بإعادة أكثر من 65000 «بيتكوين» إلى السوق، وهو أكبر حجم بيع مسجل على الإطلاق، في المقابل، استحوذت هذه الجهات نفسها على 218000 «بيتكوين» في عام 2024.
وقال ثيسن: «في الوقت نفسه، لا يزال سعر «بيتكوين» محصوراً دون سقفه السعري الذي يتراوح بين 70000 و80000 دولار».
انخفضت احتمالات رفع سعر الفائدة في اجتماع الفيدرالي في 16 سبتمبر من 62% إلى 44% اليوم، بعد صدور تقرير الوظائف في 7 أغسطس، ما أدى إلى انتعاش سوق الأسهم والعملات المشفرة، لكن شهية المستثمرين للمخاطرة قد تتغير هذا الأسبوع ، إذ قد تؤدي بيانات التضخم إلى تحول جديد في توقعات الفائدة
لكن الخطر الأكبر على السوق قد لا يكون سقوط القانون بالكامل، أو مفاجآت الفيدرالي، بل استمرار حالة عدم اليقين. فكل شهر إضافي من غياب القواعد الواضحة يعني تأجيل قرارات استثمارية ومؤسسية كانت تعتمد على وضوح أكبر بشأن الجهة الرقابية والتصنيف القانوني للأصول الرقمية.
وبالنسبة للسوق، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كان القانون سيمر في سبتمبر، وإنما ما إذا كان التأجيل سيغير شهية المؤسسات تجاه الأصول الرقمية.
فإذا استمرت التدفقات حتى مع غياب التشريع، فقد يُثبت السوق قدرته على استيعاب التأخير، أما إذا بدأت التدفقات في التراجع بالتزامن مع تأجيل جديد، فقد تتحول المسألة من عقبة سياسية مؤقتة إلى ضغط فعلي على الأسعار.