الصين في مرمى العقوبات والبنوك خارجها
هرمز الورقة الرابحة والنفط يراقب التطورات

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية مجموعة جديدة من العقوبات على إيران، أطلقت عليها إدارة الرئيس دونالد ترامب اسم «يوم النصر الاقتصادي»، في محاولة لخنق شريانها المالي والتجاري.
تستهدف الحزمة الجديدة عشرات الأفراد والكيانات والسفن، وتوسع الضغط على النفط والشحن والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية، لكنها تتجنب حتى الآن البنوك الصينية الكبرى.
تضع واشنطن في صدارة أهدافها خفض إيرادات طهران ودفعها إلى تغيير سلوكها، لكن بقاء مضيق هرمز، المسؤول عن نحو 20% من تجارة النفط العالمية، مقيداً يجعل نجاح الخطة مرتبطاً بالنفط والصين والملاحة.
وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خزانته سكوت بيسنت العقوبات بأنها الأقسى والأكبر على الإطلاق، وتأتي هذه الخطوة ضد طهران في تحول دراماتيكي من تصعيد الهجمات العسكرية إلى تغليظ سلاح العقوبات.
توسّع واشنطن حربها الاقتصادية على طهران، عبر استهداف 60 فرداً وكياناً وسفينة، مع تحذير الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران من خطر الاستبعاد من النظام المالي القائم على الدولار.
وتشمل القطاعات المستهدفة الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، فيما منحت واشنطن الأطراف مهلة لتصحيح أوضاعها قبل الانتقال إلى إجراءات أكثر صرامة.
يرى محللون أن غياب البنوك الصينية الكبرى عن القائمة يبرز محاولة واشنطن الضغط على شبكات تجارة النفط والوسطاء دون فتح مواجهة مالية مباشرة مع بكين.
تستهدف واشنطن النفط باعتباره المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية لإيران، فيما تسعى العقوبات إلى رفع تكلفة الشحن والتأمين وتحويل عائدات الخام، والحد من قدرة طهران على الالتفاف على القيود السابقة.
كما ترى وزارة الخزانة الأميركية أن الحملة تستهدف الشبكات والوسطاء والقنوات المالية التي تستخدمها إيران لتوليد الإيرادات والالتفاف على العقوبات، بما في ذلك قطاعات الشحن والذهب والأصول الرقمية.
وقال بنك «جيه بي مورغان» إن التأثير الحقيقي للعقوبات على سوق النفط سيتوقف على مدى قدرتها على تقليص الصادرات الإيرانية فعلياً، خصوصاً مع استمرار الصين كمشترٍ رئيسي للخام.
تمثل الصين الحلقة الأصعب في الإستراتيجية الأميركية، إذ ظلت أكبر مشترٍ للنفط الإيراني لسنوات، بينما تشير مجموعة «إيه بي سي» للأبحاث إلى أن نحو 90% من صادرات الخام الإيراني تتجه إلى الصين.
قال محللو «إيه بي سي»: «تجعل هذه العلاقة بكين عاملاً حاسماً في قدرة واشنطن على خفض إيرادات طهران، خصوصاً أن استهداف البنوك الصينية قد ينقل المواجهة من ملف إيران إلى العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم».
ويرى مركز «سوفان» أن الصين تمثل شريان التمويل الأهم لطهران، وأن واشنطن سبق أن استهدفت مصافي صينية مستقلة، لكنها تجنبت حتى الآن العقوبات على البنوك الكبرى التي تمول تجارة النفط الإيراني.
تدرك واشنطن أن استهداف المؤسسات المالية الصينية قد يكون أكثر فاعلية في خنق تجارة النفط الإيرانية، لكنه يحمل مخاطر سياسية واقتصادية أكبر، ولذلك تركز المرحلة الحالية على الوسطاء والشركات والسفن وشبكات التجارة.
ترى مجموعة «إيه بي سي» للأبحاث أن نجاح إستراتيجية «يوم النصر الاقتصادي» سيتوقف على قدرة واشنطن على إغلاق القنوات المالية والتجارية التي سمحت لإيران بالصمود أمام العقوبات السابقة، وليس مجرد إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات.
تراجعت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل، أمس الاثنين، رغم استمرار المخاوف من اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط، في انعكاس لرهان المستثمرين على أن الضغوط الاقتصادية قد تزيد فرص التسوية السياسية.
بنك «جيه بي مورغان» يرى أن سوق النفط ستراقب التوازن بين انخفاض الإمدادات الإيرانية نتيجة العقوبات، واحتمال دفع الضغط الاقتصادي طهران إلى تصعيد التهديدات ضد الملاحة أو استخدام هرمز كورقة تفاوض.
قال محللو بنك «جيه بي مورغان»: «يبقى مضيق هرمز الاختبار الأهم لأي إستراتيجية أميركية تستهدف الاقتصاد الإيراني، إذ إن خفض إيرادات النفط لن يكون كافياً إذا احتفظت طهران بقدرتها على تهديد حركة الناقلات ورفع علاوة المخاطر في السوق».
أصدرت إيران تحذيراً جديداً للسفن بعدم المرور عبر المضيق دون تصريح منها، ونشرت قائمة تضم 45 سفينة قالت إنها خالفت قواعدها، مع التلويح بالرد على عمليات النقل من سفينة إلى أخرى.
ويرى مركز «سوفان» أن الجمع بين العقوبات الاقتصادية والضغط البحري قد يدفع طهران إلى إعادة فتح المضيق والعودة إلى المفاوضات، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الضغط قد يدفعها إلى استخدام أدوات التصعيد المتاحة لديها.
أبدت الصين رفضها لتوسيع العقوبات الأميركية، خصوصاً إذا انتقلت واشنطن من استهداف الشركات والمصافي المستقلة إلى المؤسسات المالية الكبرى.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إن العقوبات وأساليب الضغط لا تساعد على حل القضايا، وإن بكين ستتخذ ما يلزم لحماية مصالحها، بينما تمثل تجارة النفط الإيراني جزءاً من شبكة أوسع تستخدم اليوان وترتيبات المقايضة والقنوات غير المرتبطة بالدولار.
مركز «سوفان» يرى أيضاً أن إدارة ترامب ستضطر إلى الموازنة بين خنق الإيرادات الإيرانية وتجنب مواجهة مالية مباشرة مع الصين، خصوصاً مع حساسية العلاقات التجارية بين البلدين.
قال محللو بنك «إيه زد إن» إن تاريخ العقوبات الأميركية على إيران يظهر قدرة طهران على بناء شركات واجهة وشبكات شحن ووسطاء ماليين للالتفاف على القيود، وهو ما يجعل تحقيق نتائج سريعة أمراً صعباً.
وتشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن إستراتيجيتها الحالية تستهدف تفكيك هذه الشبكات بصورة أكثر منهجية، عبر ملاحقة القنوات التي تساعد إيران على نقل عائداتها واستخدامها خارج النظام المالي الأميركي.
كذلك ترى مجموعة «جيه بي مورغان» للأبحاث أن التحدي الأساسي أمام واشنطن هو إغلاق طرق التجارة والتمويل التي سمحت لإيران بالبقاء داخل الاقتصاد العالمي رغم العقوبات.
كتب محللو بنك «إيه زد إن» في مذكرة: «يتركز اختبار (يوم النصر الاقتصادي) في ثلاثة متغيرات، حجم النفط الإيراني الذي يصل إلى الصين، وقدرة طهران على تحويل عائداته خارج النظام المالي الأميركي، ومدى استعدادها لاستخدام مضيق هرمز رداً على الضغوط».
ويقول بنك «جيه بي مورغان» إن استمرار الصين كمشترٍ رئيسي للخام الإيراني سيحد من قدرة العقوبات وحدها على القضاء على إيرادات طهران، بينما يبقى أي تصعيد في «هرمز» قادراً على إعادة علاوة المخاطر إلى سوق النفط.
بذلك، لا يمثل تراجع النفط بعد إعلان العقوبات حكماً نهائياً على نجاح الحملة الأميركية، بل يضع الأسواق أمام معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين العقوبات والنفط والصين وحرية الملاحة.
إلى ذلك استقرت أسعار النفط اليوم الثلاثاء، بعد انخفاضها بأكثر من 2% في الجلسة السابقة، بينما يقيّم المستثمرون تأثير العقوبات الثانوية الأميركية الصارمة ضد إيران.