هرمز والنفط يحددان كلفة خنق اقتصاد طهران
الأسواق تترقب انتقال الصدمة إلى التضخم

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطة لعزل الاقتصاد الإيراني، عبر التهديد بعقوبات ثانوية على الجهات التي تشتري النفط الإيراني أو تنقل شحناته أو تسهّل معاملاته المالية، ومجموعة من العقوبات وصفتها بأنها الأكبر على الإطلاق التي تطلقها ضد دولة.
تهدف الولايات المتحدة من العقوبات إلى إنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، بعد أن أدى استمرار التصعيد والحصار المزدوج لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، وعودة مخاوف التضخم، ما أعاد رفع الفائدة إلى طاولة البنوك المركزية، ودفع بشبح الركود التضخمي إلى الواجهة.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي أعلن عن عقوبات «يوم النصر» كما وصفها في مؤتمر صحفي، إن أي كيان يسهّل غسل الأموال لصالح إيران قد يُستبعد من النظام المالي القائم على الدولار، في تصعيد يستهدف شرايين التجارة الإيرانية.
ومن هنا تبرز الصين والهند كأبرز المتضررين من العقوبات، في ظل اعتمادهما الكبير على واردات النفط الإيرانية التي تعد شرياناً رئيسياً للمصافي في كلا البلدين.
لم تدخل العقوبات حيز التنفيذ بعد، لكن واشنطن بدأت إرسال جداول زمنية إلى الدول لتحديد الأنشطة المطلوب وقفها، ما يضع شركاء طهران أمام خطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وتشمل الحملة قطاعات النفط والشحن والذهب والطيران والتكنولوجيا والأصول الرقمية، ما يوسع نطاق المخاطر من مشتري الخام إلى الشركات التي توفر الخدمات المالية واللوجستية لإيران.
قال وزير الخزانة سكوت بيسنت أثناء كشفه عن خطة العقوبات الجديدة التي أطلق عليها اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي» وعقوبات «يوم النصر»: «إننا نطلق هجوماً اقتصادياً على العلاقات المالية لإيران في جميع أنحاء العالم».
ويرى رئيس اقتصادات أسواق رأس المال لدى «سكوتيا بنك»، ديريك هولت، أن المرحلة المقبلة قد تتحول من استهداف ناقلات النفط والمصافي والوسطاء إلى الضغط على النظام المصرفي الذي يتيح وصول الخام الإيراني إلى المشترين، ما يجعل العقوبات الثانوية أكثر تأثيراً على تدفقات التجارة.
تأتي الصين في مقدمة الدول المعرضة للضغوط، باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، ما يجعل مصافيها المستقلة الحلقة الأهم في استمرار تدفق الإيرادات إلى طهران.
وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تشتري الصين 90% من صادرات إيران النفطية، في حين تستحوذ طهران على 50% من إجمالي واردات الصين النفطية.
وتشير تقديرات «ريستاد إنرجي» إلى أن الصين تستحوذ على النسبة الأكبر من صادرات الخام الإيراني، ما يجعل موقف بكين عاملاً حاسماً في تحديد فعالية العقوبات الأميركية.
أفادت الصين بوجود تجارة ثنائية مع إيران بقيمة 9.96 مليار دولار في عام 2025، باستثناء ما يقرب من 31.2 مليار دولار من صادرات النفط الخام الإيرانية غير المعلنة إلى الصين في ذلك العام، وفقاً للجنة مراجعة الأمن والاقتصاد بين الولايات المتحدة والصين.
ويرى نائب رئيس أبحاث الأسواق لدى «ريستاد إنرجي»، جورجي ليون، أن فعالية العقوبات الجديدة ستعتمد بدرجة كبيرة على مدى استعداد الصين لتقليص مشترياتها من النفط الإيراني، باعتبارها الوجهة الرئيسية للصادرات.
تواجه المصافي الصينية معادلة صعبة بين الاستفادة من الخام الإيراني منخفض السعر والحفاظ على الوصول إلى النظام المالي والأسواق الأميركية، خصوصاً مع تهديد واشنطن بالعقوبات الثانوية.
وقالت مديرة قسم الصين لدى «مجموعة أوراسيا» دان وانغ: «بكين قد تزيد بهدوء مستوى الامتثال لدى البنوك وشركات النفط لتجنب الوقوع تحت العقوبات».
وأضافت وانغ أن السلطات الصينية تهتم بالحصول على الدولار والحفاظ على دخول السوق الأميركية، ما قد يدفعها إلى تشديد الرقابة دون مواجهة واشنطن مباشرة.
تبدو الهند أقل تعرضاً من الصين، لكن عودة مصافيها إلى شراء الخام الإيراني تجعلها أمام اختبار جديد إذا نفذت واشنطن تهديدها باستهداف مشتري النفط خارج النظام الأميركي.
وتراجعت التجارة بين الهند وإيران إلى نحو 1.6 مليار دولار في السنة المنتهية في مارس 2026، لكن استئناف شراء الخام الإيراني أعاد الطاقة إلى صدارة العلاقة التجارية، بحسب «إس آند بي غلوبال».
وترى «إس آند بي غلوبال»، وفق مذكرة، أن المصافي الهندية تواجه تحديات متزايدة في تأمين الخام مع اضطراب هرمز، ما يرفع تكاليف الشحن ويضغط على هوامش التكرير الآسيوية.
قالت «إس آند بي غلوبال»: «يعني تشديد العقوبات أن نيودلهي قد تضطر إلى إعادة ترتيب مصادر الخام، خصوصاً إذا أصبحت الشحنات الإيرانية أكثر خطورة أو ارتفعت كلفة التأمين والنقل».
استأنفت الهند، التي تعد من بين أكبر خمسة شركاء تجاريين لإيران، استيراد النفط الخام من إيران بعد توقف دام سبع سنوات، وذلك بعد أن رفعت الولايات المتحدة مؤقتاً العقوبات المفروضة على صادرات النفط الخام الإيرانية.
لكن هذه الصفقات ستخضع للاختبار الآن إذا نفذت واشنطن تهديدها بفرض عقوبات على أي كيان، بما في ذلك مصافي التكرير الهندية، التي حصلت على الطاقة الإيرانية.
لا تتوقف تداعيات العقوبات عند إيران، إذ إن خفض صادراتها قد يرفع علاوة المخاطر في سوق النفط، خصوصاً إذا رافقه تصعيد يهدد حركة الناقلات في الخليج، وفق بنوك ومؤسسات دولية.
قال محللون لدى «ريستاد إنرجي» إن الخطر الأكبر على سوق النفط قد يأتي من رد إيران، وليس فقط من انخفاض صادراتها، إذا امتد التصعيد إلى تدفقات المنطقة.
وأضاف محللو «ريستاد إنرجي» في مذكرة: «يبقى مضيق هرمز نقطة التحول، إذ إن أي اضطراب جديد في حركة الناقلات قد يرفع أسعار الخام وتكاليف الشحن والتأمين، حتى من دون حدوث نقص فعلي في الإمدادات».
قال نائب رئيس «إس آند بي غلوبال»،دانيال ييرغين إن حركة الملاحة عبر هرمز قد تبقى في منطقة رمادية بين الفتح الكامل والإغلاق الكامل، وهو ما قد يبقي مخاطر الشحن والطاقة مرتفعة حتى بعد انتهاء الحرب.
ترى «مورغان ستانلي» أن مسار الأسواق سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز، إذ إن استمرار اضطراب التدفقات يرفع أسعار الطاقة والتضخم، ويضغط على توقعات النمو ومسار السياسة النقدية.
قد تمنح العقوبات الدولار دعماً مؤقتاً إذا رفعت الطلب على الأصول الأميركية، لكن ارتفاع النفط وتجدد التضخم قد يعقد توقعات الفائدة ويضغط في المقابل على الأسهم والسندات.
وترى «آي إن جي» أن تأثير العقوبات على الدولار سيظل مرتبطاً بمسار النفط وهرمز، لأن ارتفاع الطاقة قد يعيد التضخم إلى صدارة توقعات السياسة النقدية الأميركية.
وتتحول حملة «المنبوذ الاقتصادي»، كما وصفتها الإدارة الأميركية، إلى اختبار مزدوج، فنجاحها يتوقف على استعداد الصين والهند لتقليص التعامل مع إيران، وعلى قدرة الأسواق على استيعاب أي صدمة جديدة في الطاقة.
قال محللو «آي إن جي» إن الخطر لا يكمن في العقوبات وحدها، بل في احتمال انتقالها من النظام المالي إلى سوق النفط، ومن النفط إلى هرمز، ثم إلى التضخم والأسواق العالمية.
عارضت بكين علناً العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بحجة أن الضغط الاقتصادي لن يحل النزاعات، وفي مايو أمرت الصين الشركات المحلية بتجاهل العقوبات الأميركية المفروضة على خمس مصافي نفط مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية.
وتستحوذ مصافي التكرير الصينية المستقلة على الجزء الأكبر من النفط، الذي يُعاد تسويقه غالباً تحت مسميات النفط الماليزي أو الإندونيسي، ويتم تسويته عبر وسطاء خارج النظام الدولاري، وفقاً لشركة «كبلر».
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على العديد من هذه المصافي هذا العام بسبب مشترياتها من النفط الإيراني، بينما استثنت المؤسسات المالية الصينية.
قال مدير قسم الصين في «مجموعة أوراسيا»، دان وانغ، إنه على الرغم من أنه من غير المرجح أن ترد بكين بشكل مباشر على حملة العقوبات التي تشنها واشنطن، إلا أنها ستعمل بهدوء على زيادة الامتثال بين البنوك الحكومية وشركات النفط لتجنب الوقوع في الشباك، مشيراً إلى وجود تناقض بين البيان الرسمي والممارسة الخاصة.
وأضاف وانغ: «تهتم السلطات الصينية أكثر بالحصول على الدولار في التمويل ودخول السوق الأميركية، وقد لا تقاتل الصين من أجل إيران، لكن بنوكها تمثل خطاً أحمر، يعمل في القنوات الخلفية».