logo
اقتصاد

السمسم.. من سلعة زراعية إلى ورقة نفوذ بين إثيوبيا والسودان

السمسم.. من سلعة زراعية إلى ورقة نفوذ بين إثيوبيا والسودان
يُستخدم السمسم في العديد من المجالات، من تحضير الطحينة إلى المنتجات المخبوزة.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تحوّل محصول السمسم، الذي كان يُعدّ سلعة زراعية تقليدية في مجتمعات شرق إفريقيا، إلى ركيزة استراتيجية في الاقتصاد الحدودي بين إثيوبيا والسودان، حيث بات هذا المحصول المربح عاملاً مؤثراً في إعادة رسم مسارات التجارة وتحديد مناطق النفوذ وتوجيه الاستقرار الإقليمي.

بحسب تقرير لمعهد «تشاتام هاوس»، أصبحت السيطرة على هذا المحصول وتجارته محوراً أساسياً في إدارة الموارد والنزاعات المحلية، إذ يحدد النفوذ على الأراضي الزراعية ومسارات التصدير المستفيدين من واحدة من أهم السلع الزراعية في شرق القارة.

أخبار ذات صلة

البيانات وفق منصة (Statista). 

أكثر الدول الإفريقية سكاناً.. نيجيريا وإثيوبيا ومصر في الصدارة

التمويل الزراعي

وفق التقرير، بات المزارعون في المناطق الحدودية يعتمدون بصورة متزايدة على قروض ما قبل الحصاد وسلف عينية يقدمها وسطاء محليون على ارتباط مباشر بشبكات تجارية وأمنية.

وغالباً ما يتم منح هذه القروض بشروط قاسية، تُجبر المزارعين على بيع محاصيلهم بأسعار متدنية، فيتحوّل الائتمان الزراعي من أداة تمكين اقتصادي إلى آلية تحدّ من قدرة المنتجين على تحقيق أرباح عادلة، وتعزز تبعيتهم لاقتصاد غير رسمي.

وتؤدي هذه البنية المختلة إلى تقليص حصة المزارع من العائد النهائي، وتكريس حالة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في الأرياف الحدودية.

السودان يتصدر دول العالم في الدين العام الحكومي
السودان يتصدر دول العالم في الدين العام الحكومي المصدر: إرم بزنس.

سلاسل القيمة وتوزيع العوائد

يشكّل السمسم اليوم أحد أهم القطاعات الزراعية في القرن الإفريقي، غير أن العوائد لا تتوزع بعدالة عبر حلقاته الإنتاجية. فبينما يوفر القطاع فرص عمل لعشرات الآلاف من المزارعين، تستأثر الشركات التجارية الكبرى والوسطاء بالنصيب الأكبر من الأرباح، فيما يحصل المزارعون على حصة محدودة من القيمة النهائية للسلعة.

ووفق تقرير «أبحاث صادرات السمسم في إثيوبيا 2025–2034»، بلغت قيمة صادرات إثيوبيا من السمسم نحو 298 مليون دولار في عام 2024، مع توقعات بمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بالطلب القوي من الأسواق الآسيوية والعربية واتساع قاعدة المستوردين الإقليميين.

كما قدّر تقرير مؤسسة «موردور إنتليجنس» (Mordor Intelligence) أن يصل حجم سوق بذور السمسم العالمي إلى 13.8 مليار دولار في عام 2025 بمعدل نمو سنوي قدره 5.8%، فيما تسجّل إفريقيا أسرع وتيرة توسع على مستوى الإنتاج والتجارة الدولية.

ويشير التقرير نفسه إلى أن السودان قاد صادرات السمسم العالمية في عام 2024 بحصة بلغت 22.4%، بينما تتصدر إثيوبيا معدلات النمو المتوقعة، ما يضع البلدين في قلب المنافسة على هذا المورد الحيوي.

ومع ذلك، فإن تقرير «الآفاق العالمية لسوق السمسم لعام 2025» يكشف أن السوق العالمية تعاني من فائض في العرض يضغط على الأسعار رغم تزايد الطلب، مما يجعل المنتجين الصغار أكثر هشاشة في مواجهة تقلبات السوق وضعف الوصول إلى التمويل المستقر.

وتشير البيانات إلى أن إنتاج القارة الإفريقية من بذور السمسم بلغ 3.8 مليون طن في 2024، مع توقع أن تصل قيمة السوق الإفريقية إلى 4.6 مليار دولار بحلول عام 2035.

هذه الفوارق في توزيع الأرباح تُعمّق الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية، وتنقل مركز القوة تدريجياً من المنتجين إلى الوسطاء الذين يسيطرون على مسارات التجارة وفق التقرير. ومع تصاعد النزاعات الحدودية، تحوّل السمسم من سلعة زراعية إلى مورد حيوي لتمويل النزاع، وعنصر فاعل في معادلة الحرب والسلام في المنطقة.

أخبار ذات صلة

موظفون يقومون بفرز الأوراق النقدية في مقر البنك المركزي السوداني بمدينة بورتسودان، السودان، في 23 يوليو 2023

جحيم الحرب يُنهك السودان.. الاقتصاد على حافة الهاوية

من اقتصاد النزاع إلى اقتصاد الفرص

يدعو تقرير «تشاتام هاوس» صانعي القرار في الخرطوم وأديس أبابا إلى إعادة صياغة نهج إدارة المناطق الحدودية من خلال مقاربة اقتصادية شاملة تعالج جذور النزاع بدل التركيز على الحلول الأمنية فقط. فالتقرير يرى أن تنظيم التجارة غير الرسمية عبر الحدود يمكن أن يحوّلها إلى رافعة تنمية، لما تمثله من شريان أساسي لسبل العيش في المناطق الريفية.

كما يشدد التقرير على أهمية دعم المبادرات المجتمعية ومنصات الحوار المحلي لتعزيز الثقة بين المزارعين والفاعلين الاقتصاديين، وإحياء الاتفاقات الثنائية لفتح الأراضي ومسارات التجارة المشتركة.

ويؤكد كذلك على ضرورة تعزيز التنسيق الإقليمي من خلال آليات الاتحاد الإفريقي و«منظمة الإيقاد» (IGAD)، مع مواءمة سياسات الشركاء الدوليين، من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، مع الواقع الميداني ومتطلبات التنمية المحلية.

السمسم كركيزة للتكامل الاقتصادي

يشكّل السمسم اليوم مؤشراً على التحول الاقتصادي العميق في القرن الإفريقي، حيث تجاوز حدود الزراعة التقليدية ليصبح جزءاً من منظومة معقدة تربط بين السياسة والتجارة والأمن. ورغم أن النزاع لا يزال يقيّد قدرات هذا القطاع، إلا أن التعاون الإقليمي وتنظيم سلاسل القيمة يمكن أن يحوّلا السمسم من سلعة نزاع إلى رافعة استقرار وتنمية مستدامة.

وبذلك، فإن إعادة توجيه الحوافز الاقتصادية بعيداً عن منطق الحرب نحو منطق التنمية المشتركة تمثل الخطوة الأساسية لبناء اقتصاد حدودي متوازن يعزز الازدهار ويكرس السلام بدلاً من النزاع.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف