«الفيدرالي» قد يضطر لمزيد من خفض أسعار الفائدة
الدولار وتصنيف واشنطن ونمو الاقتصاد على المحك

خلافاً لتوقف الرواتب والإجازات القسرية وموجة التسريح وآلام المواطنين الأميركيين، سواء في ذلك المنتظرون لكوبونات الدعم والغذاء حتى المتقاعدون والجنود، تكمن مخاطر جسيمة في استمرار فترة الإغلاق الحكومي بالولايات المتحدة، والتي قد تطال تصنيف الولايات المتحدة وقوة الدولار واستقرار الأسواق، وتوجه قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي صوب مسارٍ لم يكن مخططا له، بالتزامن مع اختمار أزمة الديون الكارثية التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة.
منذ ساعات قليلة، أمس الثلاثاء، بات الإغلاق الحكومي الآن الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزاً الرقم القياسي السابق الذي تم تسجيله في عام 2019، وهو اليوم الخامس والثلاثين من انقطاع التمويل عن الحكومة الفيدرالية، وسط مخاوف من اندلاع أزمة خطيرة بتعطل المطارات والنقل الجوي في الولايات المتحدة.
قالت رئيسة لجنة الميزانية الاتحادية مايا ماكغيناس: «لدينا مشاكل حقيقية ضخمة في هذا البلد، ونحن عالقون في حرب رسائل دائمة بين الحزبين، بدلاً من محاولات حقيقية لرأب هذه الانقسامات والانشقاقات والقيام بشيء ما للتعامل مع مشاكلنا المالية»
في غضون ذلك تحذر بنوك عالمية ومؤسسات دولية، من أن الولايات المتحدة باتت في وضع مالي متدهور؛ إذ ينمو الدين بوتيرة أسرع من الاقتصاد، وتؤدي مدفوعات الفائدة على الديون إلى مزاحمة الإنفاق على البرامج، بينما تهدد الهشاشة المالية صناديق ائتمان الخدمات الاجتماعية لكبار السن.
ارتفع الدين العام من 5.67 تريليون دولار إلى 37.88 تريليون دولار على الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة، مواصلاً الزيادة بغض النظر عن الحزب المسيطر على البيت الأبيض أو الكونغرس.
تتجاوز مدفوعات فوائد الدين وحدها الآن تريليون دولار سنوياً، أي أكثر مما تنفقه الحكومة الأميركية على الدفاع، وبحسب تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، من المتوقع أن يضيف مشروع قانون ترامب 4.1 تريليون دولار إلى العجز خلال 10 سنوات.
كتب المحللون في مؤسسة «بي بي إتش»: «استمرار الإغلاق أكثر من أسبوعين يزيد من مخاطر الهبوط للنمو؛ ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى اعتماد سياسة أكثر تيسيراً لتحفيز النمو، ويضغط على الدولار الأميركي».
قال المحللون في «بي بي إتش»: «غياب البيانات الحكومية الأساسية، مثل تقرير الوظائف، قد يضع (الفيدرالي) أمام خيارات أصعب ويزيد اعتماده على بيانات بديلة مثل تقرير التوظيف الخاص من «ADP»، الذي أظهر أكبر تراجع في الوظائف الخاصة خلال عامين ونصف العام؛ ما قد يقود إلى مزيد من التيسير».
في الوقت ذاته كتب الشريك المؤسس في «كريست كابيتال» جاك أبلين: «الأضرار الاقتصادية المؤقتة يمكن تعويضها بعد إعادة فتح الحكومة، فكلما طال الإغلاق ارتفعت المخاطر، لكن كما أن الإغلاق ليس دائماً، فإن أي ضرر يلحق بالأسواق لن يكون دائماً أيضاً».
تشير تقديرات «أوكسفورد إيكونوميكس» إلى أن الإغلاق الجزئي قد يخفض النمو الاقتصادي بما بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية أسبوعياً، بينما قد يؤدي استمراره طوال الربع الرابع إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بما يتراوح بين 1.2 و2.4 نقطة مئوية، وهو سيناريو لم يحدث سابقاً.
ولفت الاقتصاديون في «أوكسفورد إيكونوميكس» إلى أن الإغلاق الممتد قد يضغط أكثر على معنويات المستهلكين؛ إذ إن الإغلاق الطويل بين 2018 و2019، الذي استمر أكثر من 30 يوماً، تزامن مع تراجع ثقة المستهلكين بنحو 7% وفقاً لمسح جامعة ميشيغان.
في الإغلاق الأطول السابق في عام 2019، والذي استمر 35 يوماً، تكلف الاقتصاد الأميركي نحو 3 مليارات دولار، أي ما يعادل 0.02% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لبيانات مكتب الميزانية بالكونغرس.
كتب مدير الاستثمار في «نورث ستار إنفستمنت مانجمنت» إريك كوبي: «الاقتصاد يظهر إشارات تباطؤ واضحة، وهذا التباطؤ سيتفاقم مع غياب الإنفاق الحكومي، وكلما طال أمد الإغلاق زادت صعوبة تجاوز هذه التحديات».
ويؤدي الإغلاق إلى تعطيل شريحة واسعة من أنشطة الحكومة، وإيقاف مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين عن العمل جنباً إلى جنب وحملة لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي وتقليصه بنحو 300 ألف موظف، ستعزز استقرار سوق العمل، بحسب كوبي.
وفقاً لقانون معاملة الموظفين الفيدراليين بإنصاف، يتوقف الجميع عن تلقي الرواتب مؤقتاً، على أن تُدفع لاحقاً بعد انتهاء الإغلاق، في آخر إغلاق حكومي تم إيقاف 40% من الموظفين الفيدراليين عن العمل، بينما واصل الباقون أداء مهامهم كموظفين أساسيين.
بحسب تقرير سابق لـ«استاندرد آند بورز»، من المتوقع أن يؤدي كل أسبوع من إغلاق الحكومة إلى انخفاض نمو الناتج المحلي السنوي بمقدار 0.2 %، وسيرفع الإغلاق الحكومي لمدة شهر معدل البطالة مؤقتاً 0.2% في أكتوبر.
كما تقدر خسائر المقاولين الفيدراليين من الشركات الكبرى إلى حراس المباني الفيدرالية بنحو 1.9 مليار دولار من الإيرادات المفقودة والمتأخرة، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الميزانية بالكونغرس.
كذلك سيؤدي الإغلاق إلى الازدحامات والتعطل في حركة السفر، وسيكلف قطاع السفر الأميركي 140 مليون دولار يومياً وفق رابطة السفر الأميركية.
في حين حذرت وكالة «موديز» من أن إغلاق الحكومة الأميركية سيضر بالتصنيف السيادي للولايات المتحدة؛ إذ يقود طول الإغلاق إلى عزوف المؤسسات والبنوك عن الأصول الأميركية.
رغم تزايد حالة عدم اليقين بشأن السياسة الأميركية، واحتمالية تآكل الضوابط والتوازنات المؤسسية، من المتوقع أن يستمر الدولار الأميركي كعملة احتياطية رئيسة؛ ما يُمثل قوة تصنيف سيادي جوهرية في المستقبل المنظور، بحسب ما ورد في تقرير وكالة «فيتش».
أفادت «فيتش» بأن إغلاق الحكومة الأميركية ليس له آثار على المدى القريب على التصنيف الائتماني السيادي للولايات المتحدة عند (AA+) مستقر.
وقالت في مذكرة بحثية حديثة: «إغلاق الحكومة الأميركية يُبرز نقاط ضعف طويلة الأمد في صناعة السياسات وسياسة حافة الهاوية السياسية المتعلقة بقضايا الميزانية».