logo
اقتصاد

البرنامج التنموي الموحد.. هل تنجح ليبيا في كبح نزيف «الإنفاق المزدوج»؟

البرنامج التنموي الموحد.. هل تنجح ليبيا في كبح نزيف «الإنفاق المزدوج»؟
مدخل المدينة القديمة في مدينة طرابلس، ليبيا، يوم 5 مايو 2024.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

تترقب ليبيا بعد ما يربو على 10 أعوام بدون ميزانية موحدة، ترجمة اتفاق البرنامج التنموي الموحد، لوقائع على أرض الواقع، في ظل استمرار وجود حكومتين بالشرق والغرب ومخاوف من انهيار اقتصادي بسبب إنفاق مزدوج ضخم سجل 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار) في 2024.

ذلك الاتفاق الذي وقع في 18 نوفمبر الجاري ولم تظهر ملامحه كاملة بعد، يعتقد مسؤول رقابي ليبي تحدث لـ«إرم بزنس» أنه فرصة لتعزيز الاستقرار المالي وتوحيد جهود التنمية في ليبيا بعد عشر سنوات من الانقسام المؤثر اقتصادياً، مشترطا عدة شروط لجني ثماره أبرزها مشاريع تنموية حقيقية في جميع المناطق وفق أولويات واضحة.

هذا التفاؤل الحذر المشروط، يذهب له خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مطالبين حكومتي الشرق والغرب بالالتزام به، لتحقيق دفعة اقتصادية تحتاجها البلاد بعد سنوات الانقسام والإنفاق الضخم الذي يهدد اقتصاد البلاد، وسط تشاؤم من أحدهما بشإن إمكانية تطبيق الاتفاق، مشترطا أن تكون هناك لجنة دولية تنسق الجهود وتشرف على التنفيذ للوصول لنقطة حل تخرج الاقتصاد من نفق الانقسام.

أخبار ذات صلة

عمّال يُصلحون خطوط عمّال يُصلحون خطوط الكهرباء على أحد طرق مدينة مصراتة الليبية.على الطريق الخارج من مدينة مصراتة الليبية.

فرصة معلّقة.. ما الذي يمنع ليبيا من دخول سوق الكهرباء الأوروبية؟

حماية للاقتصاد

وأفاد مصرف ليبيا المركزي، في بيان، آنذاك، بتوقيع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لاتفاق بشأن برنامج تنموي موحد، واعتبره  «يضع إطارا واضحا لتوحيد قنوات الإنفاق، والصرف على مشروعات التنمية»، مشيرا إلى أنه «يعد هذا الإجراء خطوة استباقية وضرورية لحماية الاقتصاد الكلي من أزمات أكبر»، دون أن يوضح طبيعة تلك الأزمات.

وسبق أن حذر المصرف المركزي من مخاطر انهيار اقتصادي بعد في قراره الصادر يوم 6 أبريل الماضي، بتخفيض قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية بنسبة 13.3%، ليصبح 5.5677 دينار مقابل الدولار، في أول خفض رسمي منذ عام 2020.

وأرجع المصرف المركزي هذا القرار وقتها إلى ضغط الإنفاق المزدوج المتزايد من الحكومتين خلال عام 2024، والذي بلغ 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار)، محذراً من أن استمراره «سيفاقم الوضع المالي والاقتصادي» واصفًا الوضع بأنه «خطير»، وبدأ تحركات مع الجانبين لتوحيد الإنفاق.

وكان الإنفاق التنموي «قناة رئيسية لإنفاق مليارات الدولارات من عائدات النفط»، بين حكومتين أحدها في بنغازي شرق ليبيا وأخرى في غرب البلاد، ولم ينجحا في اعتماد ميزانية موحدة منذ ما يربو على عشرة أعوام، في ليبيا المنتج الكبير للنفط.

وبحسب بيانات ليبية رسمية أعلنت قبل نحو شهرين، بلغت الإيرادات النفطية 70.5 مليار دينار (97% من إجمالي الإيرادات)، تلتها إتاوات النفط بـ12.1 مليار دينار، ثم الضرائب بمليار دينار، والجمارك بـ135 مليون دينار.

أما على صعيد الإنفاق، فقد تم توزيع 42.9 مليار دينار على بند المرتبات (60% من الإنفاق)، و24.3 مليار دينار على بند الدعم (34%)، بينما لم يتجاوز الإنفاق على التنمية 403 ملايين دينار فقط (1%).

جانب من ميناء البريقة النفطي على بعد 270 كيلومتراً غربي مدينة بنغازي شرقي ليبيا يوم 24 سبتمبر 2020
جانب من ميناء البريقة النفطي على بعد 270 كيلومتراً غرب مدينة بنغازي شرقي ليبيا يوم 24 سبتمبر 2020 المصدر: (أ ف ب)

نجاح مشروط

وفي حديث لـ«إرم بزنس»، قال وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، إن التوقيع على البرنامج التنموي الموحد، فرصة لتعزيز الاستقرار المالي وتوحيد جهود التنمية في ليبيا بعد عشر سنوات من الانقسام المؤثر اقتصادياً، لكن هذا الترحيب مشروط بتحقيق النتائج الفعلية على الأرض.

وأوضح أن «البرنامج التنموي الموحد يجب أن يُترجم إلى مشاريع تنموية حقيقية وملموسة في جميع المناطق الليبية، وأن يكون محددًا وفق أولويات واضحة وشفافة، بحيث يعكس الإنفاق على مصالح الشعب وليس على مكاسب سياسية أو مناطقية أو جماعية».

وباعتقاد الغويل، فإن «تجارب المرحلة السابقة أظهرت أن بعض الصناديق التنموية مثل صندوق الإعمار كانت أكثر قدرة على تحقيق إنجازات ملموسة وظهور النتائج أمام الليبيين، حيث شهدنا مشاريع فعلية في درنة، وسرت، وبنغازي. بينما في مناطق أخرى، خصوصًا في الغرب، لم تظهر حتى الآن عوامل تنموية حقيقية تعكس التزام الحكومة بمسؤولياتها».

أخبار ذات صلة

مبنى المؤسسة الوطنية للنفط الليبية في العاصمة طرابلس يوم 12 يونيو 2013.

ليبيا تقترب من استكمال جولة عطاء عام لاستكشاف النفط

تحديات

وفي بلد تقوم جل إيراداتها على النفط، قال المستشار السابق بوزارة النفط والخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد الغابر، في حديث لـ«إرم بزنس»، إنه «من المهم أن ينضبط طرفا النزاع باتفاقات توحيد الميزانية الموحدة وفعلا ستكون نتائجها أفضل بكثير من سنوات الفرقة والإنفاق المفرط وقد تحقق قفزة تنموية كبيرة في ليبيا إن دخلت حيز التفنيذ».

لكن الغابر أبدى تخوفه قائلا: «كما يقال الشياطين في التفاصيل، فإن الاتفاق كما هو ظاهر جاء استجابة لضغوط دولية متفرقة الغايات ولكن الأطراف الليبية المختلفة سيكون صعب إيجاد آلية إدارية مالية توحدهم حيث سيعمل كل طرف على الاستحواذ على إجراءات أعمال الأعداد والتنفيذ والذي حتما سيعرقل تحقيق الأهداف المرجوة».

وتوقع أن «تبدأ الخلافات تظهر حول من يعد الميزانية الموحدة»، مضيفا: «تعلم أنه يوجد حكومتان في البلاد وكل حكومة تتبعها قطاعات ومؤسسات وإدارات منقسمة ومختلفة كثيرا وكل قطاع ومؤسسة لها توجيهاتها وأولوياتها دأبت عليها لسنوات»، مشدد إلى أن «خلق تجانس وتقارب يحتاج الى قوة إدارية موحدة وفاعلة تفرض العمل معا لهذا الغرض وهذه القوة والرغبة الوطنية الموحدة لا توجد حاليا بسبب فرقة البلاد والانقسامات السياسية القائمة وهنا ستقف الأمور».

وتابع المسؤول الليبي السابق أحمد الغابر قائلا: «إذا قيل إنه سيكلف جهة ثالثة لإعداد بنود الميزانية أو الإشراف على إعدادها وتنفيذها مثل فرق مشتركة من الحكومتين ومجلسي النواب والدولة ومعهما البنك المركزي وهيئات الرقابة فإن هذه الآلية ستكون مثل انتظار ميلاد الفيلة، وسيكون معقدا وطويل المدى وستتوقف الأمور أيضا».

وعن الحل، أضاف الغابر : «للأسف أرى الحاجة إلى تولي جهة دولية هذه المهمة على أن تعمل بدقة والتصاق مع الأطراف الليبية التنفيذية المعنية لإعداد بنود الميزانية الموحدة وتقديها لاعتماد مجلس النواب ثم مواصلة الإشراف على تطبيقها لتحقيق القدر الأدنى من متطلبات الإنفاق على مستلزمات حياة المواطنين وتنفيذ ما يلزم من مشاريع التنمية المطلوبة جدا».

وتابع: «كما نجحت في خلق توافق حول الميزانية الموحدة، يتوجب أن تعمل الأطراف الدولية على إيجاد توافق ليبي على إجراء انتخابات نيابية تنتج برلمان جديد يختار حكومة تنفيذية موحدة تقوم بمهمة الإعداد والإشراف على تنفيذ ميزانية للبلاد»، في إشارة إلى تقارير غربية بأن واشنطن من قادت لتوقيع هذا الاتفاق.

وليس بعيدا، يرى الخبير الاقتصادي الليبي، الهادي عبد القادر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن البرنامج التنموي الموحد، إذا تم تنفيذه بفعالية ونزاهة، فإن تأثيرات إيجابية محتملة كبيرة على الاقتصاد الليبي منها استقرار مالي وتقليل الهدر وزيادة المشاريع التنموية وتحفيز النمو الاقتصادي مما يخلق فرص عمل وينشط قطاعات عديدة.

ويعتقد أن ليبيا بالتأكيد في أمس الحاجة إلى دفعة اقتصادية بعد عقد كامل من الانقسام الذي دمر مؤسساتها وأهدر ثرواتها وعمق الأزمة المعيشية للمواطنين لكن خطوة في هذا الاتجاه ستواجه عقبات تحول دون ذلك خاصة والتاريخ الليبي مليء بالاتفاقيات التي لم تُنفذ، فضلا عن أن أي توتر سياسي جديد يمكن أن يعطل التنفيذ، واحتمال ألا يدر البرنامج بشفافية ومحاسبة حقيقية، مشددا على أهمية ان تحل الجذور العميقة للأزمة الليبية التي هي في الأساس أزمة حوكمة وغياب للدولة الموحدة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف