
مواجهات عسكرية بين إيران وإسرائيل وأميركا للمرة الثانية خلال 8 أشهر، تضع الاقتصاد الدولي والأسواق على حافة أزمة جديدة مع تنامي المخاوف من اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
تلك المواجهات التي جاءت غداة فشل مفاوضات بجنيف مع تمسك إيراني بمواصلة تخصيب اليورانيوم يراها خبراء اقتصاد دولي وطاقة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، قد تُسرّع من تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية حال امتدادها، مع احتمال إحداث انتكاسات في عدة قطاعات حيوية، لاسيما الطاقة والسياحة والطيران، إضافة إلى اضطرابات محتملة في سلاسل التوريد العالمية.
ومع انطلاق شرارة الحرب، ألغت شركات طيران دولية منها «ويز إير» المجرية، و «لوفتهانزا» الألمانية، رحلاتها إلى مدن في الشرق الأوسط إثر إغلاق بلدان عدة في المنطقة مجالاتها الجوية منها الكويت والعراق وقطر والإمارات مؤقتاً عقب اندلاع المواجهات.
ويشير الخبير في الاقتصاد الدولي، نهاد إسماعيل، لـ«إرم بزنس» إلى أن معظم دول الشرق الأوسط أوقفت الرحلات الجوية على الأقل مؤقتاً حتى تتضح الصورة، وإذا استمر تراشق الصواريخ والقصف لعدة أيام دون وضوح في السيناريوهات المحتملة بشأن المفاوضات أو وقف الحرب ستزداد الأزمة تعقيداً وستتوقف السياحة.
وأوضح أن «حجم الخسائر سيكون بمليارات الدولارات خاصة للاقتصادات التي تعتمد على السياحة علماً بأننا مقبلون على فصل الربيع وإقبال السياح من الغرب إلى الشرق الأوسط».
ولفت إلى أن «شركات الطيران ستواجه أزمات تتمثل في ارتفاع أسعار التأمين وأسعار الوقود وهذه ستنعكس على أسعار التذاكر للمسافرين»، مؤكداً أنه «إذا استمرّت الأعمال العسكرية لأسبوع أو أكثر ستكون كارثة لهذا القطاع الحيوي لاقتصادات دول مثل مصر والأردن».
وفي رسالة قد توسع تداعيات الحرب، نقلت «رويترز» عن مسؤول ببعثة الاتحاد الأوروبي البحرية (أسبيدس) التي تحمي السفن من هجمات الحوثيين، السبت، أن السفن تتلقى رسائل على موجة التردد شديد الارتفاع من الحرس الثوري الإيراني تقول «لا يسمح لأي سفينة بعبور مضيق هرمز».
والمضيق أهم طريق لتصدير النفط في العالم، إذ يربط أكبر منتجي النفط في المنطقة بخليج عمان وبحر العرب، وتهدد طهران منذ سنوات بإغلاق الممر المائي رداً على أي هجوم على أراضيها.
ويرى أوميد شكري، الخبير الاستراتيجي في الطاقة والزميل الزائر بجامعة جورج ميسون الأميركية، أن «حرب إيران ستؤدي إلى خلل في توازن العرض والطلب العالمي على النفط، وذلك بتعطيل صادراتها التي تتراوح بين 1.7 و1.8 مليون برميل يومياً، والتي يذهب معظمها إلى الصين، وتهديد الملاحة عبر مضيق هرمز».
وأي اضطراب ولو جزئي «ليس يؤثر فقط على الصادرات الإيرانية، بل أيضاً على تدفقات النفط من الدول الخليجية المنتجة، وقد تُسبب نقصاً فورياً وترفع الأسعار».
ووفق شكري فإن «تصاعد التوترات حول مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ففي حالة الإغلاق الكامل، قد ترتفع الأسعار إلى 120 أو 130 دولاراً للبرميل أو أكثر، بينما قد تؤدي حتى الاضطرابات الجزئية، مثل التعدين أو مضايقة ناقلات النفط أو تعليق العبور مؤقتاً، إلى ارتفاع الأسعار لتتجاوز 100 دولار».
كما سيكون التأثير على الغاز الطبيعي كبيراً، إذ يمر جزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبر المنطقة نفسها، لا سيما إذا استدعى الأمر تغيير مسار الشحنات مما يُعرّض المشترين الآسيويين والأوروبيين لصدمات في العرض والأسعار، الدول المستوردة الرئيسية، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، الأكثر تضرراً، يرجح شكري.
إلى جانب قطاع الطاقة، ستشعر سلاسل التوريد العالمية بتداعيات سريعة حال إغلاق «مضيق هرمز». فارتفاع أقساط التأمين، وتغيير مسارات ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف الوقود، كلها عوامل ستزيد من نفقات الشحن في جميع أنحاء العالم، يتوقع أوميد شكري.
وقد تنخفض مخزونات التوريد الفوري في قطاعات مثل الإلكترونيات والأسمدة والبتروكيماويات في غضون أسابيع، بحسب شكري، الذي أوضح أنه حتى الاقتصادات الأقل اعتماداً بشكل مباشر على نفط الخليج ستواجه ارتفاعاً في تكاليف المدخلات، مما سينعكس على أسعار المستهلكين وهوامش أرباح الشركات.
ويرجح شكري أن تدفع اضطرابات الإنتاج أو الصادرات الإيرانية تحالف أوبك+ إلى الاعتماد بشكل أكبر على طاقته الإنتاجية الفائضة، لا سيما من السعودية والإمارات. وقد يُسرّع هذا من وتيرة الزيادات المُخطط لها في الإنتاج ويُحقق استقراراً مؤقتاً في الإمدادات، خاصةً إذا كانت اضطرابات السوق محدودة.
مع ذلك، إذا تعرضت البنية التحتية أو خطوط الشحن في الخليج للخطر أيضاً، فإن قدرة أوبك+ على تعويض النقص في الإنتاج ستتضاءل. وقد يُعيد هذا السيناريو تشكيل النفوذ في سوق الطاقة العالمية من خلال تعزيز دور السعودية والإمارات كعوامل استقرار رئيسية، مع زيادة تهميش إيران، بحسب شكري.
كما قد يُشجع على نمو أسرع في إمدادات الطاقة من خارج أوبك، لا سيما من الولايات المتحدة، ويدفع كبار المستوردين إلى تنويع مصادر الطاقة وتسريع استراتيجيات التحول الطاقي طويلة الأجل، وفق شكري.
وقال مصدران مطلعان السبت لـ«رويترز» إنه من المرجح أن يدرس تحالف أوبك+ (ثمانية أعضاء من منظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك) وحلفائها، بما في ذلك روسيا)، في اجتماعه الأحد زيادة أكبر في إنتاج النفط مقدارها 411 ألف برميل يومياً، وذلك بعد أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عسكرية على إيران.
ويرى الخبير الاقتصادي المغربي أمين سامي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الصراع الدائر يتجاوز كونه مواجهة عسكرية ثنائية بين طرفين، ليتحول إلى زلزال جيوسياسي وجيواقتصادي يضرب في الصميم البنية التي يقوم عليها أمن الطاقة والتجارة العالمية.
فموقع مضيق هرمز كـ«نقطة اختناق» رئيسية، حيث يمر منه حوالي 23.7 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية، أي ما يعادل ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، بالإضافة إلى خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي هذا الرقم الهائل، الذي يفوق أي ممر مائي آخر في العالم (باستثناء مضيق ملقا)، يجعله بمثابة «صمام الأمان» للاقتصاد العالمي، وفق أمين سامي.
وعليه، يمكن تقسيم ردود فعل الأسواق وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية للصراع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأسواق لا تتفاعل مع الحدث فقط، بل مع مسار عدم اليقين الذي يخلقه الصراع أيضاً، بحسب سامي.
وبحسب المحلل الاقتصادي المغربي فإن السيناريو الأول، يمكن تسميته بالصدمة المحدودة (الضربة الجراحية)، دون استهداف عميق، وإنهاء العملية سريعاً، وهذا سيدفع سعر النفط إلى 80 - 85 دولاراً لفترة وجيزة (أيام) قبل أن يتراجع، أما على مستوى الذهب، قد يشهد الذهب ارتفاعاً فورياً (ربما إلى 5300 - 5400 دولار) كملاذ آمن، لكن المكاسب ستكون محدودة إذا لم يتحول الصراع إلى حرب إقليمية، وقد يشهد تصحيحاً بعد أيام.
أما من حيث الدولار والبورصات، فالدولار قد يرتفع مؤقتاً كملاذ آمن، ثم يتراجع بمجرد استقرار الوضع، وفق سامي، موضحاً أن أداء البورصات سيكون متبايناً. فأسهم الطاقة والدفاع سترتفع. في حين أن أسهم الطيران والسياحة والسفر والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة ستنخفض.
والسيناريو الثاني، وفق سامي، هو حرب الاستنزاف ويضم إغلاق مضيق هرمز، مع احتمالية مرتفعة (الأكثر تأثيراً) وهذا «كابوس الأسواق» ويعني خروج 20 مليون برميل يومياً من السوق.
ووفق هذا السيناريو سيشهد سعر النفط قفزة فورية نحو 120 - 150 دولاراً للبرميل، مع إمكانية الوصول إلى 200 دولار في ذروة الأزمة . وعليه قد ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، أما الذهب، فهنا سيظهر المحفز المزدوج للذهب، وذلك من خلال الملاذ الآمن مع التحوط ضد التضخم.
أما الدولار، فقد تكون المفارقة كبرى. ففي البداية قد يرتفع كملاذ آمن، ولكن مع ارتفاع التضخم المستورد إلى مستويات قياسية، ستجد أميركا نفسها أمام معضلة، إما رفع الفائدة لكبح التضخم وهذا قد يضر بالنمو، أو ترك الدولار يضعف ليصبح أقل جاذبية وهذا لا يمكن بتاتاً لأنه سيشهد ضعفاً بسبب تآكل قوته الشرائية داخلياً، بحسب سامي.
أما البورصات العالمية، فقد نشهد انهياراً واسعاً، حيث قد ندخل في موجة بيع عالمية للأسهم. أما الأسواق الناشئة ستعاني أكثر بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة وانخفاض عملاتها، يتوقع الخبير الاقتصادي المغربي.
والسيناريو الثالث والأخير بحسب سامي، وهو مستبعد تماماً، هو الحرب الشاملة الإقليمية، واستهداف البنية التحتية للنفط في المنطقة ما يعني شللاً مؤقتاً في الأسواق المالية، ووقف للتداول في بعض البورصات الإقليمية، مع هروب كامل للمستثمرين، وارتفاع خيالي بسوق الذهب وأضرار اقتصادية عالمية ستكون كبيرة على المدى البعيد، مع تعطيل سلاسل الغذاء والسلع، وزيادة زمن الرحلات وتكاليفها، وتكاليف الشحن، وخلق أزمة في توفر الحاويات.