
يستعد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش لإحداث تغيير جذري في أسلوب تواصل البنك المركزي الأميركي مع الأسواق، عبر تقليص حجم الرسائل والتوجيهات التي يقدمها صناع السياسة النقدية، في خطوة قد تمنح البنك مزيداً من المرونة، لكنها تثير مخاوف من زيادة المفاجآت وتقلبات الأسواق المالية.
ويتولى وارش، اليوم الثلاثاء، رئاسة أول اجتماع له بشأن أسعار الفائدة، بعدما تعهد خلال جلسات تثبيت تعيينه بإعادة النظر في سياسة التواصل المعتمدة لدى الاحتياطي الفيدرالي. وأشار إلى أن البنك المركزي يحاول أكثر مما ينبغي رسم خريطة مسبقة لقراراته المستقبلية، لافتاً إلى أن المسؤولين «يتحدثون كثيراً».
غير أن عدداً من المراقبين والخبراء يرون أن التراجع عن النهج الذي تبنته البنوك المركزية خلال العقود الأخيرة نحو مزيد من الشفافية قد ينطوي على مخاطر كبيرة.
وقال ويليام إنغليش، الأستاذ في جامعة ييل والأمين السابق للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لوكالة «بلومبرغ»: «يجب توخي الحذر عند تقليص التواصل. فإذا تم ذلك بشكل حاد، فقد يضعف فعالية السياسة النقدية ويؤدي إلى قرارات مفاجئة تثير تقلبات في الأسواق المالية».
ويستند مؤيدو التواصل المكثف إلى أن الشفافية تساعد المستثمرين والجمهور على فهم التوجهات المستقبلية والاستعداد لها، ما يساهم في توجيه تكاليف الاقتراض طويلة الأجل ودعم قدرة البنك المركزي على إدارة الاقتصاد.
في المقابل، يرى وارش أن البنوك المركزية تحتاج إلى الحفاظ على قدر من المرونة، وتجنب إعطاء انطباع بأنها ملتزمة مسبقاً بمسار قد لا يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية. وكان قد حذر في محاضرة ألقاها لدى صندوق النقد الدولي العام الماضي من أن صناع السياسة قد «يصبحون أسرى لكلماتهم».
ويترقب المستثمرون في سوق السندات طبيعة التغييرات التي قد يجريها وارش على أدوات التواصل الرئيسية للبنك المركزي، بما في ذلك احتمال تقليص «ملخص التوقعات الاقتصادية» الصادر كل ثلاثة أشهر، والذي يتضمن توقعات النمو والتضخم والبطالة، إضافة إلى «مخطط النقاط» الشهير الذي يعكس توقعات المسؤولين لمسار أسعار الفائدة.
ويرى تورستن سلوك من شركة «أبولو غلوبال مانجمنت» أن بيانات لجنة السوق المفتوحة قد تصبح أكثر اختصاراً، بينما تتوقع سيندي بوليو، كبيرة مسؤولي الاستثمار لأميركا الشمالية في شركة «كونينغ»، أن يسعى وارش إلى تقليص عدد المؤتمرات الصحفية التي تعقب قرارات الفائدة وربما الاستغناء عن «مخطط النقاط».
وقالت بوليو إن هذه التغييرات قد تؤدي إلى زيادة تقلبات أسعار الفائدة، إذ سيدفع تراجع الشفافية الأسواق إلى محاولة استباق قرارات الاحتياطي الفيدرالي مع كل بيانات اقتصادية جديدة.
ويعود إصدار «ملخص التوقعات الاقتصادية» إلى عام 2007، وأصبح أحد أهم الأدوات المستخدمة لتوجيه توقعات الأسواق. إلا أن بعض الاقتصاديين يشككون في جدواه، نظراً إلى أن التوقعات قد تصبح قديمة بسرعة في ظل تغير الظروف الاقتصادية.
ويأتي النقاش ضمن جدل أوسع حول أداة «التوجيه المستقبلي»، التي استخدمها الاحتياطي الفيدرالي بكثافة بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عندما كانت أسعار الفائدة قرب الصفر، ما جعل الإشارات المستقبلية أحد الأدوات الرئيسية لتحفيز الاقتصاد.
ويرى بعض الاقتصاديين أن هذا الأسلوب كان مناسباً لظروف استثنائية فقط، وهو موقف أبدى وارش تعاطفاً معه في تصريحات سابقة.
ويعتقد بعض المحللين أن توجهات وارش تذكر بحقبة الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان، الذي اشتهر بأسلوبه الغامض في التواصل مع الأسواق.
وقالت كلاوديا سهم، الاقتصادية السابقة لدى الاحتياطي الفيدرالي، متحدثة لوكالة «بلومبرغ»: «هناك شعور بأن هذا النهج يمثل عودة إلى عصر غرينسبان». وكان غرينسبان قد قال ذات مرة للكونغرس: «إذا بدا لكم أنني كنت واضحاً أكثر من اللازم، فلا بد أنكم أسأتم فهم ما قلته».
ورغم ذلك، شهدت فترة غرينسبان نفسها بداية إصلاحات دفعت البنك المركزي تدريجياً نحو مزيد من الشفافية. كما أن أحداثاً لاحقة، مثل اضطرابات الأسواق في عام 2013 عقب تصريحات بن برنانكي بشأن تقليص برنامج شراء السندات، عززت القناعة بأهمية التواصل الدقيق، لا تقليصه.
ويرى اقتصاديون ومستثمرون أن أي تعديلات يعتزم وارش إدخالها ستتم على الأرجح بشكل تدريجي وبعد مشاورات واسعة داخل البنك المركزي.
وقال دون كوهن، نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق: «عندما تُغيّر طريقة التواصل، يصبح من الصعب جداً التراجع عنها لاحقاً. لذلك يجب أن يكون هناك توافق واسع قبل الإقدام على مثل هذا التغيير، لأن الرجوع عنه قد يكون بالغ الصعوبة إذا تبين أنه كان خطأ».