
لم تعد التحولات التي تشهدها صناعة الرفاهية العالمية مجرد انعكاس لتغير أذواق المستهلكين، بل أصبحت تعبّر عن إعادة هيكلة عميقة لأحد أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد العالمي.
ففي وقت تجاوز فيه الإنفاق العالمي على الرفاهية 1.44 تريليون يورو خلال العام 2025، واستقرت قيمة سوق السلع الفاخرة الشخصية عند نحو 358 مليار يورو، وجدت كبرى مجموعات الرفاهية نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة نماذج أعمالها بعد أول انكماش ملموس يشهده السوق منذ سنوات، وفقاً لبيانات تحليلية متخصصة.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإنها تخفي تحولاً أكثر عمقاً من مجرد تباطؤ في المبيعات. فلم يعد الانقسام داخل السوق يقتصر على علامات تحقق نمواً وأخرى تتراجع، بل أصبح بين نموذجين اقتصاديين مختلفين؛ الأول يعتمد على الإيرادات من بيع السلع الفاخرة التقليدية، بينما يقوم الثاني على تسويق الندرة، والخدمات الحصرية، والتجارب الشخصية، وأنماط الحياة.
وأصبحت هذه الأنشطة تحقق قيمة مضافة، وهوامشَ ربح أعلى من المنتجات المادية وحدها، ما يدفع الشركات إلى إعادة توزيع استثماراتها داخل القطاع.
اعتمدت صناعة الرفاهية لعقود على إستراتيجيات تسعير مرتفعة للسلع المادية باعتبارها الوسيلة الأبرز لإبراز المكانة الاجتماعية. غير أن التوسع السريع في سوق المنتجات البديلة، والارتفاع الكبير في جودة التقليد، وانتشار التجارة الإلكترونية، أسهم مجتمعة في تقليص الميزة التنافسية التي تمتعت بها العلامات التجارية الكبرى.
ترى مجلة «ستايل ريف» (StyleRave) أن اقتناء ساعة فاخرة أو حقيبة تحمل شعاراً شهيراً لم يعد كافياً للحفاظ على المكانة الاجتماعية كما في السابق، بعدما أصبحت الفوارق الشكلية بين المنتج الأصلي والبدائل أقل وضوحاً، في حين أتاحت خدمات «اشتر الآن وادفع لاحقاً» الوصول إلى منتجات كانت تاريخياً حكراً على الشرائح الأعلى دخلاً.
هذا الواقع دفع أصحاب الثروات إلى إعادة توجيه إنفاقهم نحو أصول يصعب تقليدها أو تداولها على نطاق واسع، مثل الوقت، والصحة، والخصوصية، والوصول الحصري إلى الخدمات والتجارب. واقتصادياً، يمثل ذلك انتقال القيمة المضافة من المنتج نفسه إلى التجربة المرتبطة به، بحيث أصبحت الندرة أكثر قدرة على توليد الأرباح من السلعة التقليدية.
من أبرز مظاهر هذا التحول انتقال جزء متزايد من الإنفاق الفاخر إلى قطاع الصحة وطول العمر، الذي يشهد نمواً متسارعاً مع توسع خدمات الطب الشخصي والوقائي.
وتشير المجلة إلى أن برامج الفحوصات الجينية، والعلاجات الوقائية، والاستشارات المتخصصة في إبطاء الشيخوخة، لم تعد تُنظر إليها بوصفها خدمات طبية فحسب، بل أصبحت أصولاً فاخرة تُظهر القدرة المالية ونمط الحياة.
وتتجاوز تكلفة بعض البرامج الصحية التنفيذية 25 ألف دولار سنوياً، وتشمل باقات متكاملة تضم العلاجات الوريدية، وتقنيات التبريد، وبرامج التغذية الشخصية، في مؤشر على انتقال الإنفاق من شراء السلع إلى الاستثمار في جودة الحياة.
كما أعادت الطفرة التي شهدتها أدوية إنقاص الوزن رسم معايير الرفاهية الصحية. فبعدما أصبحت الرشاقة أكثر سهولة بفضل التطور الدوائي، انتقلت المنافسة بين أصحاب الثروات نحو مؤشرات أكثر تعقيداً، مثل تحسين المؤشرات الحيوية، وخفض العمر البيولوجي، وتعزيز اللياقة البدنية، وهي أهداف لا تتحقق عبر شراء منتج، بل من خلال استثمار طويل الأجل في الصحة.
لم يتوقف انتقال الإنفاق عند حدود الصحة، بل امتد إلى ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الخصوصية»، الذي تحول إلى أحد أسرع مجالات الرفاهية نمواً. ففي الوقت الذي تدفع فيه المنصات الرقمية المستخدمين إلى مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية، يتجه أصحاب الثروات إلى الاتجاه المعاكس، عبر الاستثمار في تقليل الظهور العام، وتعزيز الخصوصية.
تشير «ستايل ريف» إلى أن غياب أصحاب الثروات عن وسائل التواصل الاجتماعي، أو إدارة أعمالهم بعيداً عن الأضواء، لم يعد مجرد خيار شخصي، بل أصبح مؤشراً على الاستقلال المالي والقدرة على الاستغناء عن «الظهور». فالخصوصية تحولت إلى أصل يصعب الحصول عليه كلما زادت هيمنة المنصات الرقمية على الحياة اليومية.
أفرز هذا التحول طلباً متزايداً على خدمات إدارة الثروات العائلية، والاستشارات الإستراتيجية السرية، والوجهات السياحية المغلقة، والعقارات فائقة الخصوصية، إلى جانب حلول الأمن الرقمي والشخصي. وبذلك، لم تعد الشركات تبيع منتجاً أو خدمة فحسب، بل أصبحت تبيع القدرة على الابتعاد عن المجال العام، وهو ما منح الخصوصية قيمة اقتصادية مستقلة داخل منظومة الرفاهية.
بالتوازي مع الاستثمار في الصحة والخصوصية، تشهد صناعة الرفاهية تحولاً من نموذج يعتمد على امتلاك السلع إلى نموذج يقوم على شراء حق الوصول.
فبحسب المجلة، باتت المطاعم ذات المقاعد المحدودة، والنوادي الخاصة، والمنتجعات المصممة وفق برامج شخصية، والرحلات التي تعتمد على الدعوات أو العضويات المغلقة، أكثر جاذبية لدى أصحاب الثروات من امتلاك منتجات يمكن شراؤها في أي وقت.
ويعكس هذا التحول انتقال مركز توليد القيمة من السلعة إلى الامتياز. فبدلاً من تحقيق الإيرادات من بيع منتج لمرة واحدة، أصبحت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على الإيرادات المتكررة الناتجة عن العضويات، والاشتراكات، والخدمات الشخصية، وهو نموذج يحقق تدفقات نقدية أكثر استقراراً، ويرفع من ولاء العملاء، ويمنح العلامات التجارية قوة أكبر في التسعير.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع السياحة الفاخرة، الذي يشهد نمواً في الطلب على التجارب المصممة بحسب الطلب، والوصول إلى وجهات يصعب الوصول إليها، أو المشاركة في أنشطة تتطلب معرفة محلية وشبكات علاقات خاصة، بما يحول التجربة نفسها إلى أصل اقتصادي مرتفع القيمة.
انعكست هذه التحولات بوضوح على الأداء المالي لشركات الرفاهية العالمية. ويظهر تحليل نشرته مجلة «لامبون» (Lampoon) أن القطاع لم يعد يتحرك كوحدة واحدة، بل انقسم إلى نماذج أعمال نجحت في التكيف مع المتغيرات الجديدة، وأخرى واجهت ضغوطاً نتيجة استمرار اعتمادها على النموذج التقليدي القائم على الشعارات والانتشار الواسع.
وتبرز «هيرميس» (Hermès) بوصفها النموذج الأبرز لهذا التحول، بعدما سجلت إيرادات بلغت 11.9 مليار يورو خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بنمو نسبته 9% بأسعار الصرف الثابتة، فيما ارتفعت إيرادات قطاع المنتجات الجلدية بنسبة 13.3%. ويعتمد هذا الأداء على إستراتيجية الإنتاج المحدود وإدارة الندرة، حيث أصبحت قوائم الانتظار الطويلة جزءاً من نموذج الأعمال، وليست مجرد نتيجة لارتفاع الطلب، بما يضمن الحفاظ على قوة التسعير وهوامش الربح.
في المقابل، حققت «برادا غروب» (Prada Group) إيرادات بلغت 5.718 مليار يورو خلال العام 2025، بزيادة 9%، مدفوعة بالنمو القوي لعلامة «ميو ميو» (Miu Miu) التي ارتفعت مبيعاتها بنسبة 35%، بالتزامن مع استحواذ المجموعة على «فيرساتشي» (Versace) مقابل نحو 1.25 مليار يورو، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها عبر شرائح متعددة من سوق الرفاهية.
أما مجموعة «كيرينغ» (Kering)، المالكة لعلامة «غوتشي» (Gucci)، فقد واجهت ضغوطاً أكبر، إذ تراجعت إيراداتها خلال النصف الأول من عام 2025 بنسبة 16%، فيما انخفض صافي أرباحها إلى النصف تقريباً، وتراجعت مبيعات «غوتشي» بنسبة 18% خلال الربع الثالث. وفي المقابل، حققت «بوتيغا فينيتا» (Bottega Veneta) نمواً بنسبة 3% بفضل تمسكها بإستراتيجية «الرفاهية الهادئة» القائمة على الجودة والحرفية والإنتاج المحدود بعيداً عن الشعارات البارزة.
ولا تعكس هذه النتائج اختلافاً في الأداء المالي بين الشركات فحسب، بل تكشف أيضاً عن إعادة توزيع للربحية داخل القطاع. فالعلامات التي بنت نماذج أعمالها على التحكم في المعروض، والإنتاج المحدود، والحرفية، حافظت على قوة التسعير وهوامش الربح رغم تباطؤ السوق.
أما العلامات الأكثر اعتماداً على الشريحة الطموحة من المستهلكين، فقد تأثرت بصورة أكبر بارتفاع أسعار الفائدة، والتضخم، وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يفسّر اتساع الفجوة في الأداء بين شركات الرفاهية خلال العام الماضي.