حسن الريس: كيزاد تمنح الشركات السنغافورية قاعدة تصنيع آمنة
العزعزي: كيزاد مرشحة لاستقطاب صناعات التكنولوجيا النظيفة

تتجه أبوظبي وسنغافورة إلى بناء مسار اقتصادي يتجاوز زيادة التبادل التجاري، من خلال ربط الخبرات الصناعية والتكنولوجية السنغافورية بالبنية اللوجستية ومناطق التصنيع في أبوظبي، بما يتيح للشركات من الجانبين الوصول إلى أسواق جديدة في الخليج وجنوب شرق آسيا.
وخلال الدورة السابعة عشرة لملتقى أبوظبي وسنغافورة المشترك، وقّع الجانبان إطاراً للتعاون الاستثماري لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب خطاب نوايا لتطوير ممر صناعي بين سنغافورة وأبوظبي، واتفاق لدراسة إنشاء مركز للاستدامة داخل مناطق
الاقتصادية «كيزاد»، وتجديد التعاون في تطوير القدرات الحكومية.
وفقاً لمكتب أبوظبي الإعلامي، بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وسنغافورة 6.54 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 5.2 مليار دولار في 2024، لتبقى الإمارات أكبر شريك تجاري لسنغافورة في الشرق الأوسط.
يرى عبد اللطيف العزعزي، المستشار الاقتصادي ومستشار ريادة الأعمال، أن الممر الصناعي ليس مجرد قناة جديدة للتجارة، بل منصة تربط القدرات الصناعية المتقدمة في سنغافورة بموقع أبوظبي اللوجستي ومواردها في مجال الطاقة.
وقال العزعزي لـ«إرم بزنس» إن القيمة الأهم للممر تتمثل في المساهمة في إعادة بناء سلاسل التوريد، وربط الشركات السنغافورية بمنظومة كيزاد في قطاعات التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية، مع تركيز خاص على التصنيع المستدام والتكنولوجيا النظيفة.
ولا يزال المشروع في مرحلة خطاب النوايا، إذ لم يعلن حتى الآن عن قيمة استثمارية أو مساحة مخصصة للممر أو عدد الشركات المتوقع دخولها.
غير أن وجود كيزاد ضمن الاتفاق يمنح الشركات السنغافورية إمكانية الاستفادة من الأراضي الصناعية والمستودعات وشبكة موانئ أبوظبي، ثم الانطلاق إلى أسواق الإمارات والمنطقة.
ويعتبر الخبير الاقتصادي والمالي حسن الريس أن الشراكة تجمع بين بوابتين رئيسيتين للتجارة العالمية، إذ تمثل الإمارات نقطة انطلاق إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، بينما تمنح سنغافورة الشركات الإماراتية منفذاً إلى أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا التي تضم أكثر من 600 مليون مستهلك.
وقال الريس لـ«إرم بزنس» إن الممر الصناعي قد يساعد الشركات السنغافورية على إنشاء قاعدة تصنيع وتوزيع إضافية مرتبطة بميناء خليفة، في وقت تتجه فيه الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل اعتمادها على مركز صناعي واحد ضمن استراتيجية «الصين + 1».
لا تقتصر فرص الممر على الشركات السنغافورية الكبرى، إذ يرى العزعزي أن الشركات الإماراتية الصغيرة والمتوسطة تستطيع الاستفادة منه عبر الاندماج في سلاسل التوريد الجديدة كمورد محلي أو شريك خدمي واستراتيجي، بدلاً من الدخول في منافسة مباشرة مع الشركات الوافدة.
ويضيف أن الشراكات المحتملة قد تجمع شركات إماراتية وسنغافورية بمنظومة كيزاد في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا النظيفة، سواء عبر التوريد المحلي أو تطوير الأسواق والمنتجات بصورة مشتركة.
وبحسب العزعزي، تحتاج الشركات السنغافورية إلى حزمة متكاملة تشمل الملكية الأجنبية الكاملة، والتسهيلات الضريبية، والبنية التحتية الجاهزة، والوصول إلى الأسواق، وتوافر الكفاءات المتخصصة.
أما مركز الاستدامة المقترح داخل كيزاد، فيمكن، وفق تقدير العزعزي، أن يستقطب أنشطة تصنيع وتجميع تقنيات الطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية الخضراء، وحلول إزالة الكربون من العمليات الصناعية، إلى جانب خدمات إصدار شهادات ومعايير الاستدامة.
ويوضح البيان الرسمي أن الاتفاق مع شركة «ويثال غلف إندستريز» السنغافورية يؤسس لإطار تعاون لدراسة تطوير المركز، لكنه لم يحدد بعد موعد التنفيذ أو حجم الاستثمار أو الأنشطة التي ستبدأ العمل فعلياً.
يرى الريس أن أهمية سنغافورة لا تقتصر على رأس المال، بل تمتد إلى خبرتها في إدارة الموانئ والأتمتة والتصنيع الدقيق وأشباه الموصلات والرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية.
ويشير إلى أن تجربة ميناء تواس السنغافوري، الذي يعتمد على الأنظمة المركزية والذكاء الاصطناعي والمعدات ذاتية التشغيل، توفر نموذجاً يمكن الاستفادة منه في تطوير الخدمات اللوجستية والموانئ الذكية داخل أبوظبي.
كما يفتح التعاون، بحسب الريس، مجالاً لاستقطاب استثمارات في الروبوتات والتكنولوجيا النظيفة والهندسة الدقيقة والهيدروجين الأخضر، مستفيداً من وفرة الطاقة والبنية التمويلية والتشغيلية في أبوظبي، مقابل الخبرات التكنولوجية والصناعية السنغافورية.
ورغم إدراج الذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء والصحة ضمن القطاعات ذات الأولوية في الملتقى، لم يعلن الجانبان عن مشروعات تنفيذية أو قيم استثمارية مستقلة في هذه المجالات، ما يجعلها فرصاً مستقبلية وليست صفقات منجزة حتى الآن.
يرى الريس أن استقرار الدرهم يقلل مخاطر تقلبات العملات أمام المشروعات طويلة الأجل، فيما تتيح الإيرادات النفطية المرتفعة لأبوظبي توجيه سيولة إضافية إلى التصنيع والتكنولوجيا والاستثمار في اقتصاد ما بعد النفط.
وبحلول نهاية إطار التعاون في 2029، يقترح الريس قياس نجاح الشراكة من خلال قيمة الاستثمارات المنفذة، وعدد الوظائف المتخصصة، وحجم التكنولوجيا المنقولة، ومستوى أتمتة المصانع والموانئ، والزيادة التي تحققها المشروعات المشتركة في الصادرات الإماراتية غير النفطية.