طهران تغمر الأسواق بنحو 50 مليون برميل
«أوبك+» يوافق على الزيادة الثالثة في الإنتاج

تدخل أسواق النفط مرحلة إعادة تسعير سريعة بعد موجة إمدادات مزدوجة تضغط على الأسعار، مع تصاعد شحنات إيران إلى نحو 50 مليون برميل خلال أسبوعين بالتزامن مع قرار «أوبك+» بزيادة جديدة في الإنتاج.
وبينما تتراجع المخاطر الجيوسياسية إلى الخلفية، تتحول بوصلة السوق نحو فائض المعروض وبيانات الطلب الآسيوي، في مقدمتها الصين.
وفي هذا السياق، تواجه طهران اختباراً مباشراً لقدرتها على تحويل الطفرة الأخيرة في الصادرات إلى مسار مستدام، في وقت تُظهر فيه البيانات أن أكبر مشترٍ تقليدي للنفط الإيراني يقلّص وتيرة الاستيراد بشكل واضح.
ومع تزايد المعروض من المنتجين داخل وخارج «أوبك+»، تتراجع مساحة الدعم السعري، وتزداد حساسية السوق لأي تباطؤ إضافي في الطلب أو اضطراب في قنوات الإمداد.
اتفقت الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم من 14 بنداً في 17 يونيو الماضي، لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي، وأشعلت أسعار النفط وعطّلت تدفقات نحو 20% من إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ومقابل عودة الملاحة في المضيق، منحت الولايات المتحدة إيران رفعاً للعقوبات، والسماح ببيع النفط الإيراني المحمّل على السفن والناقلات.
قبل الحرب، كانت إيران تساهم بحوالي 3 ملايين برميل يومياً من إجمالي تدفقات الطاقة العالمية، يذهب معظمها إلى الصين، التي تُعد أكبر مشتري للنفط الإيراني.
أظهرت بيانات تتبع ناقلات النفط أن صادرات إيران من الخام بلغت 50 مليون برميل منذ رفع الحصار البحري الأميركي، وبعد أسبوعين، ما يرجّح أن الشحنات شملت نفطاً مخزناً تراكم خلال فترة الحصار، وليس الإنتاج اليومي وحده.
قبل الحرب، كانت طهران تصدّر قرابة مليوني برميل يومياً، وفق «تانكر تراكرز»، وبذلك ظل متوسط صادرات إيران خلال يونيو كاملاً أقل بنحو 17% من مستوى ما قبل الحرب، رغم قفزة الشحنات خلال الأسبوعين التاليين لرفع الحصار.
وتراجعت الصادرات النفطية الإيرانية خلال الحرب إلى أقل من مليون برميل يومياً، جراء استهداف البنية التحتية للطاقة وفرض حصار بحري أميركي في 13 أبريل 2026.
غير أن هذه القفزة تبدو أقرب إلى تصريف مخزونات متراكمة منها إلى توسع مستدام في الإنتاج، ما يجعل استمراريتها محل شك.
وأظهرت بيانات «كبلر» أن النفط الإيراني شكّل 13% من إجمالي واردات الصين من الخام في مارس، في الوقت الذي تُعد فيه الصين سوقاً لنحو 90% من صادرات إيران النفطية.
فرضت الولايات المتحدة أربع حزم من العقوبات على تجارة النفط الإيرانية منذ أن أعاد الرئيس دونالد ترامب في فبراير سياسة الضغوط القصوى على طهران.
وبحسب بيانات «أوبك»، استقر الإنتاج الإيراني عند 2.95 مليون برميل يومياً، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب التي تراوحت بين 3.3 و4.6 ملايين برميل.
وأوضحت شركة «تانكر تراكرز» المتخصصة في تتبع الناقلات أن متوسط صادرات شهر يونيو كاملاً بلغ 1.66 مليون برميل يومياً.
لم تُبدِ الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حماسًا كبيرًا لشراء النفط الإيراني، على الرغم من أنها تُعدّ تقليديًا المشتري الرئيسي له.
وقال الرئيس الفخري لشركة «إف جي إي نيكسمان» فريدون فشركي، لاستشارات الطاقة: «في الواقع، لا يُبدي الصينيون أي حماس لشراء كميات كبيرة من النفط من أي جهة».
هذا التراجع في الشهية الصينية يضع سقفاً عملياً لأي توسع إيراني سريع في الصادرات، حتى في ظل تخفيف القيود السياسية.
وبلغت واردات الصين من النفط الإيراني في أبريل 2026 نحو 1.16 مليون برميل يومياً، انخفاضاً من متوسط 1.71 مليون برميل يومياً في مارس 2026 و1.57 مليون برميل يومياً في فبراير 2026، بحسب بيانات «كيبلر».
وتراجعت واردات الصين من النفط الخام منذ بدء الحرب الإيرانية في أواخر فبراير، مما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط.
وفي مايو، انخفضت واردات الصين بنسبة 29% مقارنة بالعام السابق لتصل إلى 7.82 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى لها منذ فبراير 2018، وفقاً لشركة «ويند إنفورميشن».
وفي يونيو، انخفضت واردات الصين من النفط الخام الإيراني بأكثر من النصف لتصل إلى نحو 654 ألف برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق.
ويعكس هذا التراجع تحولاً هيكلياً في الطلب الصيني على الخام الإيراني، وليس مجرد تذبذب مؤقت مرتبط بالأحداث الجيوسياسية.
من المتوقع أيضاً أن يزداد المعروض من النفط بعد أن وافق تحالف «أوبك+» على إضافة 188 ألف برميل يومياً إلى هدف إنتاجه لشهر أغسطس، بحسب تقرير صادر عن بنك «يونايتد أوفرسيز».
وقال الاستراتيجيون في بنك «يونايتد أوفرسيز»: «تُعد هذه الزيادة جزءاً من خطة المجموعة لإنهاء التراجع عن قيود الإنتاج التي فُرضت قبل بضع سنوات، وهذا يعني أنهم أضافوا 940 ألف برميل يومياً إلى الحصص منذ بدء الحرب».
ومع إقرار زيادة أغسطس، تكون الدول قد ألغت بالكامل تقريباً التخفيضات المعلنة في 2023، إذا ما وافقت على زيادة إضافية بكمية مماثلة تقريباً لشهر سبتمبر خلال الاجتماع المقبل المقرر في الثاني من أغسطس.
ويشير محللون إلى أن أثر زيادات «أوبك+» قد يكون محدوداً على الأسعار في المدى القصير، لأن السوق كانت قد استوعبت جزءاً كبيراً من هذه الزيادات مسبقاً، ما يقلل عنصر المفاجأة.
قال محلل الأسواق في شركة الوساطة «أكسي» تياجو لاسيردا في مذكرة للعملاء: «الزيادة الكبيرة التي تشهدها الأسواق في العرض النفطي حقيقية».
وأضاف لاسيردا: «هناك زيادة حادة في العرض البحري، حيث شحنت إيران أكثر من 40 مليون برميل منذ أن رفعت الولايات المتحدة الحصار البحري، في حين ارتفعت الصادرات الروسية أيضاً إلى مستويات قياسية».
لكن لاسيردا أشار إلى أنه، ومع ذلك، فإن احتمال حدوث اضطرابات في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز لا يمكن استبعاده تماماً، الأمر الذي قد يعقّد حسابات إمدادات الطاقة.
وقال لاسيردا: «إيران أكدت بوضوح أن المرور المجاني الحالي في مضيق هرمز متاح لمدة 60 يوماً فقط، وبعدها ستبدأ بفرض رسوم متدرجة».
كما كتب محللون في مجموعة «سيتي» المصرفية: «لا تزال عملية التفاوض لإبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران هشة، لكنها مستمرة في الوقت الحالي، بينما تظل مسألة رسوم عبور مضيق هرمز وإدارته موضع خلاف».
ومع تزامن ارتفاع الإمدادات من «أوبك+» وتباطؤ الطلب الآسيوي، تتزايد حساسية السوق لأي اضطراب في مضيق هرمز، رغم عودة التوازن النسبي في الأسعار.
ويعني تزامن عودة الإمدادات الإيرانية مع زيادة «أوبك+» أن السوق تواجه عملياً موجة عرض مزدوجة، أحدها رسمي من التحالف، والآخر غير تقليدي من خارج منظومة الإنتاج، ما يضغط على قدرة الأسعار في الحفاظ على أي موجة صعود مستدامة.
ارتفع إنتاج «أوبك» من النفط في يونيو بمقدار 3.3 مليون برميل يومياً مقارنة بالشهر السابق، ليصل إلى 19.43 مليون برميل يومياً، متعافياً من أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين.
وأظهرت البيانات أن صادرات النفط الخليجية في يونيو قفزت بأكثر من ثلاثة ملايين برميل مقارنة بشهر مايو، لتتجاوز عشرة ملايين برميل يومياً، على الرغم من أن الحجم ظل أقل بنسبة 40% عن مستويات ما قبل الحرب.
ويتبقى أمام الدول السبع نحو 379 ألف برميل يومياً من الشريحة الأصلية لإعادة ضخها في السوق، مع الأخذ في الاعتبار انسحاب الإمارات اعتباراً من أول مايو.
وحاليا، لا تتحرك سوق النفط حالياً وفق صدمات العرض التقليدية بقدر ما تتفاعل مع اختلال ميزان الطلب، حيث تتقاطع زيادات «أوبك+» مع تباطؤ واضح في شهية آسيا، خصوصاً الصين، ما يعيد رسم حدود التعافي السعري على المدى القريب.
وبينما تبدو الزيادة الإيرانية الأخيرة أقرب إلى تصريف مخزونات مؤقتة منها إلى توسع إنتاجي مستدام، يبقى المسار المستقبلي للأسعار مرهوناً بقدرة الطلب الفعلي على امتصاص موجة المعروض الجديدة، أو عودة المخاطر الجيوسياسية إلى واجهة التسعير من جديد.
.