واشنطن تلغي ترخيصاً يسمح ببيع نفط إيران
تعثر بحركة مرور ناقلات النفط عبر المضيق

أدت عودة التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً حول السيطرة على مضيق هرمز، المسؤول عن عبور 20% من إمدادات الطاقة العالمية، إلى إلغاء البيت الأبيض، في وقت متأخر أمس الثلاثاء، ترخيصاً كان منحه لإيران لبيع النفط، في مسعى لإنهاء التفاهمات السابقة بعد تصاعد التوتر.
رفع التحالف البحري بقيادة الولايات المتحدة مستوى التهديد الذي يواجه السفن العابرة لمضيق هرمز إلى مستوى «شديد»، بعد تعرض عدد من ناقلات النفط لهجمات إيرانية، محذراً السفن التجارية من تصاعد المخاطر الأمنية في الممر المائي الحيوي.
وجاء قرار واشنطن بإلغاء الترخيص بعد تحذير إيران بأن تصرفاتها في المضيق غير مقبولة على الإطلاق، وأنها لن تمر دون عواقب. وكان البيت الأبيض منح ذلك الترخيص في يونيو، في إطار تفاهم يهدف إلى إعادة فتح المضيق وتخفيف بعض العقوبات.
يعني إلغاء الترخيص عملياً تراجع أحد أهم عناصر التهدئة بين واشنطن وطهران، وهو ما أعاد إلى الأسواق احتمال تعطل الإمدادات النفطية، بعدما كانت تراهن على استمرار تدفق الخام الإيراني بصورة طبيعية خلال الأشهر المقبلة.
قال مدير شركة الاستشارات «أوبسيديان ريسك أدفايزرز»، بريت إريكسون: «هذه ليست خطوة بسيطة أقدمت عليها واشنطن، مشيراً إلى أن الترخيص أحد التنازلات التي احتاجتها إيران مقابل رفع حصارها على المضيق».
تابع: «لم يتضح بعد ما إذا كانت الهجمات ستتسبب في انقطاع شامل جديد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أن عودة التوترات كفيلة برفع أسعار النفط وفرض علاوة مخاطر جديدة على الأسواق».
وقال رئيس مجموعة «رابيدان إنرجي»، بوب ماكنالي: «تشير هجمات إيران على ثلاث سفن منذ أمس، وإلغاء وزارة الخزانة الأميركية الإعفاء الممنوح لإيران بشأن مبيعاتها النفطية، إلى أن وقف إطلاق النار ليس بالقوة والمتانة اللتين افترضتهما سوق النفط».
كما أوضحت شركة «بي آر إس» للسمسرة البحرية في تقرير هذا الأسبوع: «إن إعادة فتح مضيق هرمز على فترات متقطعة تسهم في استمرار تقلبات أسواق ناقلات النفط في الشرق الأوسط، وتؤدي إلى تدفق غير منتظم للناقلات عبر المضيق في الاتجاهين».
ارتفعت أسعار النفط بنحو 6% في تداولات ما بعد الإغلاق، إذ اقترب خام برنت من 76 دولاراً للبرميل، بينما أثارت التطورات الأخيرة شكوكاً بشأن استمرار وقف إطلاق النار.
وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن نحو 16 سفينة تمكنت من عبور المضيق أمس الثلاثاء، وهو أدنى مستوى منذ نحو ثلاثة أسابيع.
كما بلغ متوسط عدد السفن العابرة يومياً بين 25 و40 سفينة خلال الأسبوع الماضي، إلا أن هذا العدد لا يزال أقل من المتوسط اليومي البالغ 125 سفينة قبل اندلاع الحرب.
كذلك اقترب متوسط التكلفة اليومية لاستئجار ناقلة داخل الخليج من 300 ألف دولار، بعدما انخفض إلى أقل من 200 ألف دولار الأسبوع الماضي نتيجة زيادة عدد الرحلات.
ويفسر ذلك عودة ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية إلى أسعار النفط، إذ لا تنتظر الأسواق تعطل الإمدادات فعلياً، بل تبدأ في تسعير احتمالات حدوثه بمجرد ارتفاع مستوى التهديد للملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وافقت إيران على ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز بموجب اتفاق مؤقت وقعته مع الولايات المتحدة في الـ17 من يونيو، إلا أنها شنّت لاحقاً سلسلة من الهجمات استهدفت سفناً كانت تستخدم ممراً بحرياً تؤمنه البحرية الأميركية داخل المضيق.
قالت كبيرة محللي الاستخبارات البحرية لدى «ويندوارد»، ميشيل فيزه بوكمان: «من الواضح أن هناك صراعاً على السيطرة؛ لأن الورقة الرئيسية التي تمتلكها إيران تتمثل في مضيق هرمز».
وأوضحت أن الملاحة في المضيق باتت تنقسم إلى ممرين منفصلين يخضعان لنفوذ كل من الولايات المتحدة وإيران، مشيرة إلى أن دول الخليج تستخدم ممراً جنوبياً بمحاذاة السواحل العُمانية تؤمنه البحرية الأميركية.
في المقابل، حذر الجيش الإيراني من أنه سيستهدف السفن التي لا تستخدم الممر الشمالي الذي توافق عليه طهران، بينما تتجنب السفن المرور عبر المسار التقليدي في وسط المضيق بعد أن زرعت إيران ألغاماً فيه.
وقالت بوكمان في مذكرة: «يمثل ذلك جزءاً من حملة إيرانية متقطعة تستهدف زعزعة استقرار الممر الجنوبي».
كان وزير الطاقة الأميركي كريس رايت صرّح الشهر الماضي بأن الممر الذي تؤمنه البحرية الأميركية أنهى قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، إلا أن إيران شنت لاحقاً هجوماً على سفينة شحن كانت تستخدم ذلك الممر، لترد الولايات المتحدة بإطلاق جولة جديدة من الضربات الجوية ضد إيران.
رغم ارتفاع حركة السفن عبر مضيق هرمز منذ توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاق سلام مؤقتاً، فإنها لا تزال أقل بكثير من مستوياتها قبل اندلاع الحرب.
وأكدت شركة «كبلر» المتخصصة في استخبارات التجارة مرور أكثر من 100 سفينة عبر المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما أظهرت بيانات شركة «ويندوارد» أن صادرات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في المتوسط نحو 4.3 مليون برميل يومياً خلال يونيو.
كانت أكثر من 120 سفينة تعبر المضيق يومياً قبل الحرب، في حين تجاوزت صادرات النفط الخام عبره 15 مليون برميل يومياً.
كما قالت بوكمان: «لا يزال مضيق هرمز بعيداً عن استعادة عمله بصورة كاملة والسماح بتدفق أكثر من 20% من صادرات الطاقة العالمية».
كذلك يرى محللون أن العامل الحاسم خلال الأيام المقبلة لن يكون حجم الهجمات فقط، وإنما مدى قدرة الولايات المتحدة وإيران على منع تحول الاشتباكات المحدودة إلى مواجهة أوسع؛ لأن أي تصعيد إضافي قد يدفع شركات الشحن والتأمين إلى تقليص نشاطها في المضيق، وهو ما سينعكس سريعاً على أسعار النفط العالمية.