الين لم يستفد من بيانات تفوق التوقعات
الإسترليني تحت تأثير توقعات خفض الفائدة

في مفارقة لافتة، يواصل الدولار الأميركي صعوده رغم تزايد رهانات الأسواق على خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري، وبينما كان من المفترض أن تضغط هذه التوقعات على العملة الأميركية، جاءت حالة الضبابية الجيوسياسية وتراجع شهية المخاطرة لتمنح الدولار أفضلية واضحة، في وقت يترقب فيه المستثمرون محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي بحثاً عن إشارات حاسمة لمسار السياسة النقدية المقبلة.
ووسّع الدولار الأميركي سلسلة مكاسبه أمام سلة العملات الرئيسية، التي دخلت جولتها الرابعة خلال التعاملات المبكرة اليوم الأربعاء، وسط انخفاض في أحجام التداولات المصاحبة لعطلة الأسواق الآسيوية.
مع إغلاق الكثير من الأسواق الآسيوية بسبب عطلة رأس السنة القمرية، يظل تركيز المستثمرين منصباً على محضر أحدث اجتماع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بحثاً عن مؤشرات بشأن أي تخفيضات محتملة لأسعار الفائدة في المستقبل، إضافة إلى بيانات اقتصادية أميركية مهمة من المقرر صدورها يوم الجمعة.
كتب محللو العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا» في مذكرة: «تلقى الدولار دعماً مؤقتاً مع تراجع شهية المخاطرة بسبب المخاوف من تجدّد التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط وتقلبات أسواق الأسهم الأميركية».
وأضاف المحللون: «لكن تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة وإيران أحرزتا تقدماً وتوصلتا إلى اتفاق عام خلال المفاوضات النووية في سويسرا؛ ما ساعد على تهدئة تلك المخاوف».
إلى ذلك، أشارت إيران إلى إحراز تقدم في المحادثات النووية مع الولايات المتحدة في جنيف، في حين استمرت مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا.
من جهته، قال رئيس قطاع التداول في «ماني كورب» يوجين إبستين: «أداء الدولار يميل إلى التحسن في أوقات الضبابية، مع إقبال المستثمرين على شراء سندات الخزانة الأميركية وبيع الأسهم».
وأضاف إبستين في مذكرة للعملاء: «تعزّز ارتفاع الدولار مقابل العملات الرئيسية وسط حالة من الضبابية وعزوف عن المخاطرة بسبب التوتر الجيوسياسي الناجم عن المحادثات النووية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران».
كما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران والولايات المتحدة توصلتا، الثلاثاء، إلى تفاهم بشأن المبادئ التوجيهية الرئيسية في جولة ثانية من المحادثات غير المباشرة حول نزاعهما النووي، رغم أن التوصل إلى اتفاق نهائي ليس وشيكاً.
لم يستقر أداء الين، حتى بعد أن أظهرت بيانات تحسناً في معنويات المصنّعين في اليابان، ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الدفعة الأولى من استثمارات ضخمة تعتزم طوكيو ضخها في الولايات المتحدة.
وخلال تعاملات أمس، انخفض الين الياباني للجلسة الثانية على التوالي بعد أن أنهى سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام، عقب فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في الانتخابات.
وقال كبير المحللين لدى «توكاي طوكيو إنتلجنس لابوراتوري» ريوتارو ساوادا: «لا توجد عوامل محفزة تُذكر، ويبدو أن حركة الأسعار مدفوعة بشكل أساسي بالعوامل الفنية والعرض والطلب».
كما أضاف: «الارتفاع الذي أعقب الانتخابات العامة، التي أُجريت الأسبوع الماضي وفازت بها رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بفارق كبير، يبدو أنه تلاشى».
حافظ الدولار النيوزيلندي على مكاسبه قبيل قرار البنك المركزي، الذي يُتوقع على نطاق واسع أن يُبقي أسعار الفائدة دون تغيير.
ومن المقرر أن تصدر لجنة السوق المفتوحة في مجلس الاحتياطي الاتحادي، اليوم الأربعاء، محضر الاجتماع الذي عُقد في يناير.
بينما ستصدر وزارة التجارة يوم الجمعة التقدير الأول للناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال الربع الرابع، إلى جانب بيانات التضخم التي يتابعها الفيدرالي عن كثب.
كما أظهرت البيانات ارتفاع معدل البطالة في بريطانيا إلى أعلى مستوى له في خمس سنوات في ديسمبر، في حين تباطأ نمو الأجور؛ ما قد يزيد احتمالات قيام بنك إنجلترا بخفض أسعار الفائدة.
قوة الدولار الحالية تعكس تحولاً في سلوك السوق؛ إذ بات المستثمرون يتعاملون مع العملة الأميركية كملاذ آمن أول عند تصاعد المخاطر، حتى في ظل توقعات خفض الفائدة.
هذا التناقض الظاهري يعكس أن عامل الأمان والسيولة يتفوق حالياً على عامل العائد، خصوصاً مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتقلب أسواق الأسهم.
اللافت أن صعود الدولار يتزامن مع استقرار نسبي في عوائد سندات الخزانة الأميركية؛ ما يشير إلى أن التحرك لا يعتمد فقط على فروق العائد، بل على تدفقات الملاذ الآمن.
فعادةً ما يرتبط ارتفاع الدولار بارتفاع العوائد، لكن في المرحلة الحالية يبدو أن الطلب على الأصول الأميركية، سواء السندات أو النقد، يعكس بحثاً عن السيولة والأمان أكثر من بحث عن عائد مرتفع.
هذا التحول يعزز فرضية أن العملة الأميركية تستفيد من البيئة العالمية المضطربة، حتى في ظل توقعات خفض الفائدة.