تراجع حاد في توقعات رفع أسعار الفائدة
هل انتهت متلازمة الحرب والنفط؟

تعرض الدولار الأميركي لمزيد من الخسائر في التعاملات المبكرة اليوم الأربعاء، بعد تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي «البنك المركزي الأميركي» كيفن وارش، وبيانات تضخم جاءت خارج التوقعات.
تعكس حركة الدولار تغيراً في طبيعة استجابة الأسواق للأزمات؛ إذ لم يعد ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية كافياً وحده لدعم العملة الأميركية، بعدما أصبحت توقعات السياسة النقدية ومسار أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاهاتها.
واصل الدولار الهبوط اليوم بعد انخفاضه عن أعلى مستوى في أسبوعين؛ إذ أدت بيانات التضخم التي جاءت أقل من المتوقع إلى تراجع تقديرات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في المدى القريب.
قال رئيس قسم الأسواق في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى «كابيتال إيكونوميكس» توماس ماثيوز: «كان الدولار، بوضوح، أكبر المستفيدين من الحرب في المرة السابقة، إلا أن البيانات التي صدرت أمس وتصريحات وارش طمست تأثير ارتفاع أسعار النفط».
وأضاف ماثيوز في مذكرة للعملاء: «ينطلق الدولار هذه المرة مقابل منافسيه من نقطة مختلفة تماماً، بعد مكاسب قوية حققها، مع إعادة تقييم طويلة الأمد لتوقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي».
كما تابع: «ليس واضحاً بالنسبة لي ما إذا كان الدولار سيحقق الارتفاع نفسه هذه المرة إذا استمرت الأوضاع في التدهور، وهو ما يبدو أن التداول يعكسه حتى الآن».
يعكس أداء الدولار والعوائد حالة القلق التي تسيطر على تدفقات السيولة نحو الأصول الدولارية، مع إعادة المستثمرين تسعير احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
كذلك يشير تغير رد فعل الدولار إلى أن الأسواق لم تعد تسعر المخاطر الجيوسياسية وحدها، بل أصبحت توازن بين أثر ارتفاع النفط الداعم للعملة الأميركية، وبين أثر انخفاض توقعات الفائدة الضاغط عليها.
أظهرت بيانات التضخم الأميركية تباطؤاً ملحوظاً خلال يونيو 2026؛ إذ جاءت معظم المؤشرات أقل من توقعات الأسواق، في تطور يعيد التركيز إلى المسار المحتمل للسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
أفاد مكتب الإحصاء الأميركي بأن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع 3.5% على أساس سنوي خلال يونيو، مقارنة مع 4.2% في مايو، في حين كانت توقعات الأسواق تشير إلى 3.8%.
ويعني هذا التباطؤ أن وتيرة نمو الأسعار جاءت أضعف من المتوقع، وهو ما يعد مؤشراً مهماً عند تقييم اتجاه التضخم في الاقتصاد الأميركي، كما يخفف الضغوط على الفيدرالي بشأن الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة في وقت قريب.
على أساس شهري، انكمش مؤشر أسعار المستهلك 0.4% خلال يونيو، بينما كانت التوقعات تشير إلى انكماش محدود عند 0.1%، وذلك بعد ارتفاعه 0.5% في مايو.
أعادت الأسواق تسعير مسار السياسة النقدية بسرعة، إذ انتقل التركيز من مخاطر التضخم الناتجة عن الحرب إلى احتمال أن يكون تباطؤ الأسعار أسرع مما كان متوقعاً، وهو ما انعكس مباشرة على السندات والأسهم والدولار.
وانعكست البيانات، التي أظهرت تباطؤاً أكبر من المتوقع في وتيرة ارتفاع الأسعار، على سوق السندات؛ ما عزز الاعتقاد بأن البنك المركزي الأميركي قد لا يكون مضطراً إلى تشديد السياسة النقدية خلال اجتماعه المرتقب هذا الشهر.
انخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بما يصل إلى 14 نقطة أساس، ليسجل 4.14%، متجهاً نحو أكبر انخفاض يومي له منذ فبراير.
قال كبير مديري المحافظ الاستثمارية في شركة «فورت واشنطن إنفستمنت أدفايزرز» دان كارتر: «جاءت بيانات التضخم أقل من التوقعات على نطاق واسع، وهو ما أزال الضغوط عن كاهل (الفيدرالي) بشأن الحاجة إلى رفع وشيك لأسعار الفائدة».
أضاف في مذكرة أيضاً: «أصبحت احتمالات رفع الفائدة في الأجل القريب مستبعدة إلى حد كبير؛ إذ كان المستثمرون يخشون صدور بيانات تضخم مرتفعة، ولذلك فإن القراءة الحالية تمثل دعماً واضحاً لسوق السندات، كما تسهم في إعادة منحنى العائد إلى مستويات أكثر طبيعية».
كذلك أوضح كارتر أن السيناريو الأساسي الذي تتبناه الشركة يتمثل في الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، معتبراً أن بيانات التضخم الأخيرة تعزز هذا السيناريو، إلا أن التوترات الجيوسياسية لا تزال تحمل فرصاً كبيرة لعودة استثنائية للدولار.
ويبقى مسار الدولار خلال الفترة المقبلة مرتبطاً بتوازن دقيق بين عاملين متعاكسين؛ استمرار التوترات قد يمنحه دعماً باعتباره ملاذاً آمناً، بينما أي تباطؤ إضافي في التضخم قد يعزز رهانات خفض الفائدة ويحد من مكاسبه.