تراجع الين يدفع طوكيو لبيع الدولار
السوق يترقب بيانات ومفاوضات وتدخلاً

يعيش سوق العملات حالة إعادة تسعير سريعة، فالدولار لا يحب السلام، ولا تدخل السلطات في اليابان، فكلاهما يقودان إلى الضغط على العملة الأميركية، كما لم يعد الدولار يتحرك بمعزل عن الجغرافيا السياسية أو البنوك المركزية.
قبل اندلاع حرب إيران بليلة واحدة، حوم الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في 4 سنوات، ولكن مع دخول الصراع في ذروته قفز الدولار إلى أعلى مستوى في 10 أشهر.
وفي الأسبوع الماضي، حوّم الدولار مقابل الين عند أعلى مستوى في نحو 9 أسابيع، ولكن مع أنباء تدخل السلطات في اليابان لدعم العملة قفز الين أكثر من 3%.
تراجع الدولار أمام معظم العملات الرئيسية اليوم الأربعاء للجلسة الثانية، بعد أن أشارت الولايات المتحدة إلى أنها قد تكون على وشك التوصل إلى اتفاق مع إيران، في حين واصل الين تراجعه نحو مستويات سبق أن استدعت تدخل طوكيو في سوق العملة.
يبدو أن الدولار سقط الآن بين شقي الرحى، فمن جانب يأتي السلام المحتمل الذي سيهبط بأسعار النفط ويبدد مخاوف التضخم، ومعه تتبخر أحلام التشديد النقدي.
وفي الجانب الآخر يقف ضغط الين الياباني، مع تزايد التكهنات بتدخل جديد للسلطات في اليابان لكبح انزلاق العملة صوب مستويات الخطر عند أدنى سعر لها منذ ما يقرب من 4 عقود.
هوت أسعار النفط، ومعها انخفض الدولار، بعد أن قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه سيوقف مؤقتاً عملية مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى التقدم المحرز نحو التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران.
جاء ذلك بعد وقت قصير من إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو أمس الثلاثاء أن الولايات المتحدة حققت أهدافها في حملتها العسكرية على إيران، وأنها لا تتمنى حدوث مزيد من التصعيد.
وقال المحلل الكبير في «كابيتال دوت كوم» كايل رودا: «الإشارات الصادرة من الولايات المتحدة تشير على ما يبدو إلى أنها غير مهتمة باستئناف الأعمال القتالية».
كما انخفضت العقود الآجلة للنفط الأميركي صباح الأربعاء بأكثر من دولارين في أعقاب تصريحات ترامب، إذ تراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى ما يقرب من 100 دولار للبرميل.
رغم الحديث عن صفقة محتملة، قال رودا: «الأخبار ليست جيدة بالكامل، إذ لا يزال المضيق مغلقاً، وأن هذا يشير إلى أن الضغط التصاعدي على النفط سيستمر؛ ما قد يسبب قلقاً للأسواق مرة أخرى في المستقبل».
وأثارت الضربات الأميركية والإيرانية الجديدة مطلع الأسبوع قلق الأسواق؛ ما شكل اختباراً صعباً للهدنة الهشة وأبقى المستثمرين في حالة توتر وقلل الرغبة في المخاطرة.
كذلك قالت رئيسة إستراتيجية العملات الأجنبية في «رابوبنك» جين فولي: «أعتقد أن السوق يدرك جيداً أن تدفق الأخبار يمكن أن يتغير بسرعة كبيرة، وأن هذا قد يسير في أي اتجاه. وأعتقد أن هذا هو سبب حالة الترقب بالسوق».
يتعرّض الدولار للضغط منذ نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أشارت البيانات الصادرة إلى إنفاق طوكيو ما يقرب من 35 مليار دولار لدعم الين، غير أن محللين استبعدوا أن يدعم ذلك العملة اليابانية على المدى الطويل.
وظل الين يعاني لسنوات، متأثراً بأسعار الفائدة المنخفضة للغاية في اليابان والفجوة المتزايدة مع الأسواق المتقدمة ذات العوائد الأعلى، بالإضافة إلى القلق المالي المتزايد، كما زادت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب من الضغوط.
يرى محللون أن الارتفاع الوجيز للين هذا الأسبوع يعزز تكهنات بأن اليابان تدخلت مرة أخرى، خاصة بعد أن حذر المسؤولون الأسبوع الماضي من مثل هذه التحركات خلال عطلة الأسبوع الذهبي الياباني، في حين يرتبط مصير الين أيضاً بأسعار النفط ومدى سرعة إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
كما قال مدير إستراتيجية الاستثمار في «أو سي بي سي» فاسو مينون: «يعتمد الكثير على سعر النفط. إذا ارتفع أو ظل مرتفعاً، فقد يتعرض الين للضغوط مجدداً».
وأشار محللون في «آي جي» في مذكرة إلى أن هذه الخطوة تشير إلى أن الانتعاش يرتبط أكثر بعدم وجود أي تدخل لاحق من السلطات اليابانية في سوق العملة.
لم يؤكد مسؤولو وزارة المالية اليابانية التدخل صراحة، رغم التلويح به، لكن المتعاملين ما زالوا يترقبون أي إجراء تقوم به السلطات.
وقال المسؤول عن استراتيجية أسعار صرف العملات الأجنبية في «بي بي في إيه» روبرتو كوبو غارسيا: «مبررات التدخل قوية بالنظر إلى تأثير انخفاض قيمة الين على التضخم عبر أسعار الواردات، وشعور الإدارة الأميركية بارتياح كبير تجاه هذا الإجراء، واحتياطيات اليابان الوفيرة من العملات الأجنبية».
كما أضاف: «نتوقع أن يظل التدخل فعالاً في كبح سعر صرف الين مقابل الدولار ليكون دون مستوى 160، كما حدث في عام 2024، ومن المرجح أن تدافع وزارة المالية عن هذا المستوى إذا تعرضت العملة للاختبار مجدداً في الأسابيع المقبلة».
في حين تتزايد التوقعات بخفض الفائدة في اليابان، تستعد الأسواق الآن لصدور تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة هذا الأسبوع.
ومن المتوقع أن تكون البيانات اختباراً لمعرفة ما إذا كان الاقتصاد لا يزال قوياً بما يكفي لإبقاء السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» دون تغيير، أو ما إذا كان تراجع سوق العمل قد يعيد إحياء الحجة الداعية إلى خفض أسعار الفائدة.
المتعاملون يستبعدون الآن إلى حد بعيد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة العام الجاري، إذ تتوقع الأسواق حالياً احتمالاً بـ37% لرفع أسعار الفائدة بحلول مارس 2027، مقارنة مع 27% توقعوا خفضها قبل أسبوع.
وبين السلام في الشرق الأوسط والتدخل في طوكيو، يتحول الدولار من عملة مهيمنة إلى أصل يتحرك تحت ضغط السياسة أكثر من الاقتصاد.