العملة الخضراء تنهي تراجعات يومين متتاليين
السوق يترقب بيانات الوظائف غير الزراعية

لم يحتج الدولار إلى أكثر من خطاب واحد ليقلب موازين الأسواق رأساً على عقب، فبينما كانت الرهانات تتزايد على نهاية وشيكة لحرب إيران، جاء حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعيد حالة الارتباك إلى الواجهة، ويفتح الباب مجدداً أمام كل السيناريوهات، من التهدئة إلى التصعيد.
ارتفع الدولار أمام العملات الرئيسية اليوم الخميس، عاكساً الاتجاه الهبوطي الذي استمر يومين، بعد أن بدد خطاب ترامب بشأن إيران الآمال في التوصل إلى وقف قريب لإطلاق النار في الصراع الدائر بالشرق الأوسط، ما فاقم اضطرابات الأسواق ومخاوف المستثمرين.
بينما كانت الأسواق تستعد لمرحلة ما بعد الحرب، أعاد الخطاب الأميركي إحياء سيناريو اللايقين، وهو السيناريو الذي عادة ما يمنح الدولار أفضلية واضحة على حساب بقية الأصول.
في خطاب للأمة، قال ترامب إن الصراع في إيران سينتهي قريباً، لكن الجيش الأميركي سيواصل ضرب أهداف هناك خلال الأسبوعين إلى الأسابيع الثلاثة المقبلة، وربما يعيد إيران إلى «العصر الحجري» إذا لم تتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
عقب خطاب ترامب، انقلبت الأسواق، وارتفعت أسعار برنت بنحو 7%، كما صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ومؤشر الدولار، ما أثر سلباً على الذهب الذي يتم تسعيره بالعملة الأميركية، وضغط على الأصول المحفوفة بالمخاطر.
قالت محللة العملات في بنك «كومنولث أستراليا» كارول كونغ: «فشلت تعليقات ترامب في طمأنة الأسواق، وبدأ المتداولون يدركون أن الحرب ستتصاعد على الأرجح أكثر من هذا المستوى قبل أن يتراجع التصعيد لاحقاً».
أضافت كونغ في مذكرة للعملاء: «من المؤكد أن الدولار يمكن أن يرتفع أكثر مقابل جميع العملات الرئيسية مع استمرار ارتفاع النفط، الذي يفاقم أزمة التضخم ويرفع تكاليف الإنتاج».
وبعد الخطاب، قفزت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يونيو 6.7 دولار، أو ما يقرب من 7%، لتقترب من 108 دولارات للبرميل، وصعد خام غرب تكساس الأميركي 5.17 دولار، أو 5.2%، إلى 105.29 دولار للبرميل.
بعد انتهاء الخطاب، سينصب التركيز الاقتصادي في الولايات المتحدة الأسبوع الجاري على تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر مارس، الذي يصدر يوم الجمعة.
من المتوقع أن يظهر التقرير أن أرباب العمل أضافوا 60 ألف وظيفة خلال الشهر، وفق متوسط تقديرات الاقتصاديين، بعد انخفاض غير متوقع بلغ 92 ألف وظيفة في فبراير.
كما من المرجح أن يؤدي التدهور الحاد في سوق العمل إلى إحياء التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية للعام الجاري، والتي استُبعدت كثيراً بعد أن غذى ارتفاع أسعار النفط بسبب حرب إيران مخاوف التضخم.
في حين أظهر تقرير التوظيف الوطني الصادر عن «إيه دي بي» أن الوظائف في القطاع الخاص الأميركي ازدادت بنحو مطرد في مارس، ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة للاستمرار في سياسته.
وارتفعت مبيعات التجزئة الأميركية بقوة في فبراير، وهو مؤشر على زيادة الضغوط التضخمية، لكن ارتفاع أسعار البنزين قد يحد من الإنفاق في الأشهر المقبلة، علماً أن البيانات لم ترصد بعد التأثر بالحرب وأسعار النفط والبنزين.
عمق الدولار خسائره أمام الفرنك السويسري واليورو والين لليوم الثاني على التوالي، وسط تزايد التوقعات بوقف إطلاق النار في صراع الشرق الأوسط، بعدما أشارت واشنطن إلى قرب انتهاء الحرب، في وقت بدأت فيه التقلبات تنحسر في الأسواق.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن الولايات المتحدة ستنهي حربها على إيران قريباً، وربما تعود لشن غارات متفرقة إذا لزم الأمر، وكان قد ذكر سابقاً في منشور على منصته «تروث سوشال» أن الزعيم الإيراني الجديد طلب وقف إطلاق النار، وهو ما نفته طهران لاحقاً.
كما قال رئيس قسم التداول لدى «موني كورب» يوجين إبستين: «ما يحدث الآن من انعكاس للمخاطر ليس مفاجئاً إلى حد ما، نظراً للاضطراب الكبير الذي شهده السوق».
وفي سوق لم تعد تحكمه البيانات بقدر ما تحركه التصريحات، يبدو أن الدولار لا يصعد فقط بفعل قوته، بل بفعل ضعف وضوح الرؤية أيضاً. وبين سيناريو تهدئة لم يكتمل وتصعيد لم يُحسم، تبقى الأسواق عالقة في منطقة رمادية، حيث كل تصريح قادر على إعادة رسم الاتجاه من جديد.