عدم اليقين يمرر زيادة المخزونات غير المتوقعة
السوق يقيم تصريحات الرئيسين الأميركي والإيراني

لم تعد أسعار النفط تعكس ما يحدث على الأرض فقط، بل ما تتوقعه الأسواق أن يحدث بعد ساعات، في حين تبخرت علاوة الفرق بين خامي برنت وغرب تكساس، والتي كانت قفزت إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عقد من الزمن، وهدأت وتيرة ارتفاعات النفط، حتى وإن كانت مستمرةً، وسط تدفق مزيد من الأنباء بشأن قرب نهاية حرب إيران.
يُعد تقلص الفارق بين الخامين إشارة مبكرة على تراجع مخاطر الإمدادات، وهو ما تستخدمه الأسواق تاريخياً كمؤشر غير مباشر على اقتراب التهدئة.
انخفضت العقود الآجلة للخام القياسي أمس أكثر من ثلاثة دولارات عند التسوية، عقب تقارير أفادت بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن طهران مستعدة لإنهاء الحرب بشرط تقديم عدد من الضمانات.
يبدو أن الحرب، التي دخلت يومها الثالث والثلاثين، قد تتوقف قريباً، مع تأكيد الرئيس الأميركي لتقارير بشأن عدم اشتراط إعادة فتح مضيق هرمز، وذلك للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وشهد السوق تقلبات طوال الشهر، مع سلسلة من الانخفاضات كلما ألمح ترامب إلى إمكانية خفض التصعيد العسكري، لتعود بعدها إلى مسارها التصاعدي نتيجة اضطراب الإمدادات الناجم عن تهديدات إيران للسفن العابرة لمضيق هرمز، الذي ينقل خُمس إنتاج النفط والغاز العالمي.
كل ذلك يعكس أن جانب الطلب بدأ يتباطأ بالتوازي مع تحسن جزئي في الإمدادات، في إشارة مزدوجة تضغط على الأسعار رغم استمرار التوترات.
حققت العقود الآجلة لخام برنت مكاسب شهرية قياسية بلغت 64% في مارس، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن التي يعود تاريخها إلى يونيو 1988.
وحقق خام غرب تكساس الوسيط الأميركي القياسي مكاسب بـ52% خلال الشهر، وهي أكبر قفزة له منذ مايو 2020.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة قد توقف هجماتها العسكرية على إيران في غضون أسبوعين إلى ثلاثة، وإن طهران ليست مضطرة إلى إبرام اتفاق كشرط مسبق لتهدئة الصراع.
رداً على سؤال عمَّ إذا كانت الدبلوماسية الناجحة مع إيران شرطاً مسبقاً لإنهاء ما سمّته الولايات المتحدة عملية «ملحمة الغضب»، قال ترامب: «ليست كذلك، إيران ليست مضطرة لإبرام اتفاق، ليسوا مضطرين لإبرام اتفاق معي».
وكانت واشنطن هددت في وقت سابق بتكثيف العمليات العسكرية إذا لم تقبل طهران إطار عمل أميركياً لوقف إطلاق النار من 15 نقطة، كان من بين مطالبه الأساسية أن تلتزم إيران بمعاودة فتح مضيق هرمز بالكامل.
في الوقت ذاته، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن بوسع واشنطن رؤية خط النهاية في الحرب مع إيران، التي دخلت أسبوعها الخامس، وأن الولايات المتحدة ستعاود النظر في علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي بعد انتهاء الصراع.
رغم التصريحات المتفائلة من الرئيس ترامب وإدارته، فإن أوجه التصعيد بين إسرائيل وإيران لا تزال مستمرةً حتى الآن، مع استمرار التصعيد في أماكن أخرى في المنطقة.
وردَّ الحرس الثوري الإيراني على التهديدات الأميركية السابقة بتهديد جديد للشركات الأميركية في المنطقة اعتباراً من اليوم الأربعاء.
قال الشريك في «أجين كابيتال» جون كيلدوف: «مرة أخرى، انفتحت ثغرة في هذا السوق مع تصريح الرئيس الإيراني، والذي يشير إلى أنه في حال توقف الأعمال العدائية على الفور، فسيُعاد فتح مضيق هرمز».
وأضاف كيلدوف في مذكرة للعملاء: «إذا حدث هذا ستعود الإمدادات إلى السوق؛ ما سيؤدي إلى انخفاض كبير في علاوة المخاطرة المتراكمة في الأسعار».
كما أظهرت بيانات أولية انخفاض إنتاج منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، حيث تراجع في مارس بواقع 7.3 مليون برميل يومياً على أساس شهري، إلى 21.57 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى له منذ جائحة «كوفيد-19» في يونيو 2020، وذلك وسط تخفيضات قهرية في الصادرات.
قال محللون في شركة «غيلبر للاستشارات» عبر مذكرة: «مع وصول أسعار النفط الخام إلى مستويات قياسية، فإن تحركات الأسعار باتت مدفوعة بشكل أقل بالاضطرابات الجديدة وأكثر بتوقعات التدخل وتوقيت استجابة الإمدادات».
وقالت نائبة رئيس أسواق السلع والنفط في «ريستاد إينرجي»، لين يي: «مع استنزاف مخزونات النفط المتبقية تدريجياً، فإن هشاشة السوق أمام إغلاق مطول لمضيق هرمز تعني أننا نقترب من نقص فعلي في النفط على نطاق جغرافي أوسع، ومن المرجح أن يزداد زخم ارتفاع أسعار النفط».
كان ترامب قال إنه سيوقف الهجمات على شبكة الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل، وأضاف أن الولايات المتحدة وإيران تجريان مفاوضات بشكل مباشر وغير مباشر، وأن قادة طهران الجدد عقلانيون للغاية.
أظهرت أرقام معهد البترول الأميركي أن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة ارتفعت الأسبوع الماضي، بينما انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير.
وفقاً للبيانات، ارتفعت مخزونات النفط الخام 10.26 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في الـ27 من مارس، مقابل توقعات بانخفاض 1.3 مليون برميل، ومقابل زيادة فعلية 2.3 مليون برميل.
كما أظهرت البيانات أن مخزونات البنزين انخفضت 3.21 مليون برميل، بينما تراجعت مخزونات نواتج التقطير 1.04 مليون برميل عن الأسبوع السابق.
يرى محللون أن انخفاض الأسعار هو رد فعل مؤقت على فكرة إنهاء الحرب، لكن أي تغيير ملموس ومستدام في الأسعار لن يتحقق إلا بعد استئناف تدفق النفط عبر مضيق هرمز بشكل كامل، مع عودة الإمدادات.
وقالت شركة «إس إس ويلث ستريت» للأبحاث ومقرها نيودلهي، سوغاندا ساشديفا: «بينما لا تزال الإشارات الدبلوماسية متضاربة، تشير الأمور على أرض الواقع إلى استمرار حالة عدم اليقين».
كما أضافت ساشديفا في مذكرة للعملاء: «حتى في حال خفض التصعيد، فإن إعادة بناء البنية التحتية المتضررة ستستغرق وقتاً؛ ما سيبقي الإمدادات شحيحةً».
في غضون ذلك، باتت الأسواق تقيم الاحتمالات وليس الوقائع فقط في تسعير علاوة المخاطر، مع تقييم لاحتمالات تراجع الرئيس الأميركي عن تهديداته أو العكس، في ما تعرفه الأسواق بسياسة «تاكو ترامب»، أو «ترامب دائماً يتراجع».