11 مليون برميل تخرج من سوق الإمدادات
النفط الروسي يفاقم تعقيد المشهد العالمي

لم تعد أسعار النفط تتحرك فقط وفق معادلات العرض والطلب، بل أصبحت رهينةً مباشرةً للتصريحات السياسية والقرارات العسكرية، خلال إحدى أكثر الفترات توتراً في تاريخ أسواق الطاقة.
فبين تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيطرة على جزيرة خرج، شريان النفط الإيراني، ومحاولات التهدئة المؤقتة عبر السماح بمرور ناقلات النفط في مضيق هرمز، تقف الأسواق على حافة سيناريو غير مسبوق قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ومع خروج ملايين البراميل من الإمدادات، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية من الشرق الأوسط إلى روسيا، يتزايد القلق بشأن ما إذا كان العالم يقترب فعلياً من سيناريو النفط عند 200 دولار للبرميل.
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداً جديداً بشأن الاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، التي تُعد عصب تجارة النفط والغاز وشريان اقتصاد طهران النابض؛ ما دفع أسعار النفط إلى القفز فوق مستويات 115 دولاراً للبرميل.
كما كبح من ارتفاع الأسعار إعلان ترامب أن الولايات المتحدة تفاوضت مع إيران بشأن مرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز، الذي تغلقه طهران عملياً منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط؛ ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات.
وارتفعت أسعار النفط يوم الجمعة بعد أن بدأت على تراجع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب مع إيران التي بدأت في 28 فبراير.
حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريحات صحفية، من أن الجيش الأميركي بإمكانه الاستيلاء بسهولة كبيرة على جزيرة خرج، وهي موقع نفطي حيوي لإيران.
وقال ترامب حول وضع الدفاعات الإيرانية في الجزيرة: «ربما نستولي على جزيرة خرج، وربما لا. لدينا خيارات عديدة، لا أعتقد أن لديهم أي دفاعات. يمكننا الاستيلاء عليها بسهولة كبيرة».
تقع جزيرة خرج على بعد نحو 30 كيلومتراً من سواحل إيران، وتضم أكبر موانئ البلاد النفطية، حيث توفر نحو 90% من صادراتها من الخام.
قالت شركة «ريتربوش اند أسوشيتس» للاستشارات في مجال الطاقة، عبر مذكرة: «نتوقع أن تكتسب سوق النفط مناعة من تعليقات ترامب التصالحية ونبرته المتفائلة بشأن التوصل إلى اتفاق، خصوصاً في ظل النوايا الواضحة لإرسال عشرة آلاف جندي إضافي إلى المنطقة».
المحلل لدى «يو بيإس» جيوفاني ستونوفو قال: «في كل يوم لا تزال فيه التدفقات عبر المضيق مقيدة، هناك فاقد بأكثر من 10 ملايين برميل من النفط؛ ما يفاقم النقص في السوق».
وأضاف محللون في مجموعة «ماكواري» أن أسعار النفط قد تنخفض سريعاً إذا بدأ انحسار الحرب قريباً، لكنها ستظل أعلى من مستويات ما قبل الصراع، وقد ترتفع إلى 200 دولار إذا استمرت الحرب حتى نهاية يونيو.
كما أدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية، فيما وصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها الأسوأ منذ صدمات السبعينيات.
ترامب قال خلال مؤتمر صحفي: «منحونا، بدافع الاحترام على ما أعتقد، 20 ناقلة نفط»، مؤكداً أنها ناقلات ضخمة ستعبر مضيق هرمز، وسيبدأ ذلك صباح اليوم الاثنين، ويستمر لبضعة أيام.
وأعلن الرئيس الأميركي تأجيل خطته لاستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 10 أيام إضافية، بناءً على طلب من طهران، بعدما كان قد أجّلها خمسة أيام مطلع الأسبوع، مكرراً سيناريو «تاكو ترامب» (ترامب دائماً يتراجع) الذي اعتادته الأسواق.
كما تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، لتنهي أسبوعاً متقلباً على انخفاض، بعد أن قال ترامب إن المحادثات مع إيران تسير بشكل «جيد جداً».
يعكس هذا التراجع حساسية السوق المفرطة تجاه أي إشارة سياسية، حيث لم تعد الأسعار تتحرك وفق معادلات العرض والطلب فقط، بل وفق احتمالات القرار الأميركي المقبل.
قال المحلل لدى «ستون إكس» أليكس هودز، في مذكرة: «لا يزال المستثمرون يركزون على طول أمد الحرب بدلاً من العناوين الرئيسة، إذ إن أي إغلاق مطول لمضيق هرمز أو أضرار بالبنية التحتية سيبقي علاوة مخاطر كبيرة في الأسعار».
ويتوخى المستثمرون الحذر إزاء تعليقات ترامب، في الوقت الذي وصفت فيه طهران المقترح الأميركي، الذي نقلته باكستان، بأنه أحادي الجانب ومجحف.
كذلك أضاف هودز: «رغم أن ترامب مدد لإيران مهلة إعادة فتح مضيق هرمز حتى السادس من أبريل قبل تدمير بنيتها التحتية للطاقة، فإن الولايات المتحدة ترسل آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط، ويدرس الرئيس إمكانية استخدام القوات البرية للسيطرة على جزيرة خرج».
زاد من تعقيد المشهد تحذير منتجي النفط الروس المشترين من احتمال إعلان حالة القوة القاهرة على الإمدادات من الموانئ الرئيسة في بحر البلطيق، بعد الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة.
في تطور موازٍ، توقفت مصفاة «كينيف» الروسية، وهي من كبرى المصافي، بعد اندلاع حرائق نتيجة هجوم بطائرات مسيرة؛ ما دفع شركة «ترانسنفت» إلى محاولة إعادة توجيه الصادرات بعيداً عن الموانئ المتضررة.
كما توقف ما لا يقل عن 40% من طاقة روسيا التصديرية للنفط، بما يعادل نحو مليوني برميل يومياً، عقب الهجمات على البنية التحتية وخطوط الأنابيب.
يُعد ذلك من أشد الاضطرابات في الإمدادات الروسية، في وقت حصل فيه «أسطول الظل» على تخفيف مؤقت للعقوبات مع اندلاع الحرب؛ ما يعني أن أي تهدئة محتملة مع إيران قد تُقابلها صدمة إمدادات من جبهة أخرى، وهو ما يُبقي السوق في حالة عدم توازن.
يرى محللون في ظل هذا المشهد شديد التعقيد، أسواق النفط عالقةً بين مسارين متناقضين: تهدئة سياسية مؤقتة قد تكبح الأسعار، وتصعيد عسكري قادر على إشعالها بشكل غير مسبوق.
لكن المؤكد أن السوق لم تعد تتفاعل مع الوقائع فقط، بل مع الاحتمالات، ما يضخم من حدة التقلبات ويجعل أي قرار سياسي مفاجئ قادراً على إعادة رسم خريطة الأسعار في لحظات.
وبينما يترقب المستثمرون مسار الحرب وتطورات مضيق هرمز، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نشهد بالفعل قفزة تاريخية نحو 200 دولار، أم أن الأسواق ستنجو في اللحظة الأخيرة من هذا السيناريو المتطرف؟