ضعف المنافسين يمنح الدولار القوة
القلق من أزمة طاقة طويلة يدعم الدولار

في إشارة إلى الارتباط الذي بات وثيقاً بينهما، انخفض الدولار الأميركي في التعاملات الصباحية اليوم الجمعة، تزامناً مع تراجع أسعار النفط، التي قادت الدولار صوب أعلى مستوياته في نحو 10 أشهر.
ويرتفع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى عملة الملاذ الآمن في ظل تصاعد حدة الحرب في الشرق الأوسط وتزايد الشكوك حول أي مسار للتهدئة، الأمر الذي أشعل أسعار النفط وأجج مخاوف التضخم.
وانتابت الأسواق حالة توتر بعد أسبوع شهد تقلبات شديدة، مدّد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرةً أخرى المهلة قبل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل.
وتسعّر الأسواق علاوة المخاطر الآن في ظل غياب الحقيقة وتضارب التصريحات وعدم اليقين بشأن مسار الحرب، في وقت تقدم فيه واشنطن وطهران روايات متضاربة تماماً حول تقدم الجهود الدبلوماسية.
ورغم حديث ترامب عن تقدم المفاوضات، يدرس البنتاغون إرسال ما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي من القوات البرية إلى الشرق الأوسط، مما يقوض آمال المستثمرين في نهاية قريبة للحرب.
قال محللون في بنك «كومنولث أستراليا»: «أسهم ذلك في استمرار الطلب على الدولار، إذ يقبل المستثمرون على عملة الملاذ الآمن، فيما تزيد التوقعات برفع أسعار الفائدة الأميركية بحلول نهاية العام بسبب ضغوط التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول».
قالت كارول كونغ، محللة العملات في بنك «كومنولث أستراليا»: «لا يبدو أن الصراع سينتهي في أي وقت قريب، الدولار هو الملك ما دام هذا الصراع مستمراً».
وأضافت كونغ في مذكرة للعملاء: «إذا كنا محقين في توقعنا بأن هذا الصراع سيطول، أعتقد أن أسعار النفط ستواصل الارتفاع، مما سيدفع الدولار إلى الارتفاع على حساب عملات الدول المستوردة للطاقة مثل الين واليورو».
وتابعت: «شهدت سوق الأسهم والأصول عالية المخاطر حالةً من العزوف، طالت حتى الملاذات التقليدية كالذهب، في ظل توجه المتداولين نحو الأصول الأكثر سيولة وتفضيل النقد، وهو ما ظهر جلياً في ارتفاع الدولار إلى ذروة 10 أشهر».
قال محللو «كابيتال إيكونوميكس»: «مع تراجع معظم الأسهم، وانخفاض الذهب، في وقت زادت فيه أسعار النفط مع تزايد حذر المستثمرين إزاء مسار الجهود الدبلوماسية غير المؤكد، قدم ذلك دعماً كبيراً للدولار».
وأضافوا في مذكرة: «من شأن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة أن يوجه ضربةً أكبر للنشاط الاقتصادي، وهو ما يتوافق مع معظم أوجه الركود العالمي ويؤدي إلى دورة تشديد نقدي أوسع نطاقاً».
وبات من المتوقع أيضاً أن يقدم بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي على تشديد السياسة النقدية، في الوقت الذي يدرس فيه بنك اليابان رفع الفائدة، ربما في أبريل.
وقال المحللون: «أدى تراجع الآمال في التهدئة في الشرق الأوسط إلى تأجيج خطر حدوث صدمة طويلة المدى في أسواق الطاقة، وعزز الطلب على الملاذات الآمنة».
قال كبير محللي السوق لدى «كور باي» في تورونتو كارل شاموتا: «تشهد الأسواق حالياً شعوراً عاماً بالإحباط بسبب تراجع فرص وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط».
وأضاف شاموتا: «لا يزال المستثمرون يتهافتون على شراء الأصول الآمنة الأسرع في التسييل، ويتأهبون لاحتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول».
وتابع: «تعد الولايات المتحدة مصدّراً صافياً للطاقة، على عكس منطقة اليورو وبريطانيا واليابان، وهو ما يعزز قوة الدولار ويحد من تأثره بأزمة الطاقة مقارنةً بباقي الاقتصادات الكبرى».
وتتوقع سوق العقود الآجلة الأميركية بالإجماع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة ثلاث مرات هذا العام، كما تتوقع أيضاً أن يتخذ بنك إنجلترا الخطوة نفسها.
أظهرت أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة تشير الآن إلى بقاء الفائدة دون تغيير في اجتماعي مايو ويونيو المقبلين.
ووفقاً للأداة، يتوقع المستثمرون بنسبة 46% رفع سعر الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.
وتأتي هذه التوقعات في ظل تحول حاد مقارنةً بتوقعات سابقة أشارت إلى تيسير نقدي بأكثر من 50 نقطة أساس قبل الحرب.
وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، توقعت الأسواق خفضين إلى ثلاثة لأسعار الفائدة هذا العام، مع توقعات أن يبدأ الفيدرالي التحرك في يونيو، بالتزامن مع التعيين المحتمل لكيفين وارش رئيساً للبنك.
ويرى محللون أن الدولار لا يرتفع لأنه الأقوى فقط، بل لأن العالم يبدو أضعف من أن يستغني عنه في لحظة اضطراب كهذه.
فكلما تعمقت أزمة الطاقة، واتسعت رقعة الغموض الجيوسياسي، عاد المستثمرون إلى القاعدة القديمة: «عند الخطر.. الدولار أولاً».
لكن المفارقة أن هذا الصعود نفسه يحمل في طياته بذور اختباره، إذ إن عالمًا يزداد انقساماً واعتماداً على الذات في الطاقة والتجارة، قد لا يقبل هيمنة عملة واحدة إلى الأبد.
وبين قوة اللحظة وضبابية المستقبل، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يواصل الدولار تربعه على العرش، أم أن حرب إيران قد تكون بداية العد التنازلي لزمن الهيمنة المطلقة؟