السوق تترقب بيانات الوظائف غير الزراعية
المتداولون استوعبوا التوترات الجيوسياسية

حام الدولار الأميركي في التعاملات المبكرة اليوم الخميس، قرب أعلى مستوياته خلال شهر تقريباً، مدعوماً ببعض البيانات التي منحت الأسواق بعضاً من الراحة بشأن سوق العمل في الولايات المتحدة، والتي توقفت مؤقتاً عن التدهور.
يأتي استقرار سعر صرف الدولار اليوم، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وتهديدات بالتدخل في كوبا والمكسيك، مع تقييم المستثمرين لعدد من البيانات الاقتصادية وترقب أخرى ستصدر غداً.
تلقى الدولار دفعة خفيفة من بيانات صدرت أمس، وأظهرت أن سوق العمل في الولايات المتحدة بدت عالقة في حالة لا تعيين ولا تسريح، في حين انخفضت فرص العمل المتاحة بأكثر من المتوقع في نوفمبر، وتراجع التوظيف.
إلا أن الدعم الحقيقي جاء من أرقام نشاط قطاع الخدمات، الذي ارتفع بشكل غير متوقع في ديسمبر؛ ما يشير إلى أن الاقتصاد أنهى العام 2025 في وضع قوي؛ ما يخفف الضغط عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي».
قال محلل العملات الأجنبية لدى «آي.إن.جي» فرانشيسكو بيسولي: «بعد أكثر من 48 ساعة بقليل من العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، لم يتبق سوى القليل من الآثار في سوق العملات؛ إذ تم استيعاب حالة الخوف من التحرك المباغت لواشنطن».
كما انعكس تحسن نشاط قطاع الخدمات بأعلى من التوقعات على توقعات العائد على السندات الأميركية؛ ما عزز جاذبية الدولار مؤقتاً كعملة عائد لا كملاذ آمن.
قال نائب رئيس قسم تداول الخيارات والمنتجات المهيكلة لدى «مونكس كندا» أوليفييه بيلمار: «سينصب التركيز على بيانات التوظيف في نهاية الأسبوع، ومن المتوقع أن يتفاعل معها الدولار إن جاءت خلافاً للتوقعات».
من المقرر أن يصدر اليوم تقرير الوظائف غير الزراعية الأكثر شمولاً ومتابعة في الأسواق، ومن المتوقع أن يظهر إضافة 60 ألف وظيفة في ديسمبر، مقارنة بـ64 ألف وظيفة في الشهر السابق؛ ما يعزز توقعات خفض الفائدة.
أضاف بيلمار في مذكرة للعملاء: «السوق لا تزال تبحث عن مؤشرات التضخم باعتبارها مؤشراً أكثر وضوحاً لتحديد اتجاه الدولار مقابل العملات الأخرى، كما أنها تترقب التغيرات الهيكلية في التوظيف».
تاريخياً، تؤدي مفاجآت بيانات الوظائف إلى تقلبات سريعة في سوق العملات، لكنها نادراً ما ترسم اتجاهاً مستداماً من دون تأكيد من التضخم والفائدة.
قال كبير خبراء الاقتصاد في «إنتراكتيف بروكرز» خوسيه توريس: «ورغم ضبابية البيانات، لا يزال المستثمرون على قناعة بأن أسعار الفائدة الأميركية ستنخفض مرتين هذا العام، إن لم يكن أكثر».
أضاف في مذكرة للعملاء: «تتزايد التوقعات بخفض الفائدة في ظل توقعات بفقدان مجلس الاحتياطي الفيدرالي لبعض استقلاليته بعد اختيار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشخص يشاركه الرؤى بشأن مسار الفائدة».
يتوقع المتعاملون خفضين إلى ثلاثة، على الأقل، للفائدة هذا العام، رغم أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي المنقسم ألمح في ديسمبر إلى خفض آخر واحد فقط في 2026.
ووفقاً لأداة «فيد ووتش»، تتوقع الأسواق حالياً، بنسبة 13.3%، أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يناير المقبل، نزولاً من 17% قبل أسبوع.
وتكمن المفارقة في اتساع الفجوة بين تسعير السوق لخفض سريع للفائدة، وخطاب الفيدرالي الأكثر حذراً؛ وهو ما يبقي الدولار عالقاً بين دعم البيانات وضغط التوقعات.
قالت محللة العملات لدى «بنك الكومنولث الأسترالي» كارول كونغ: «أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين بشأن ما إذا كان النظام سيتغير في فنزويلا، وما سيعنيه ذلك بالنسبة لإمدادات النفط هناك».
وأضافت أن الأسواق تتبنى حالياً نظرة متفائلة إلى حد بعيد، وهي أكثر قلقاً بشأن البيانات الاقتصادية الأميركية.
وتابعت: «قرار الصين تطبيق المزيد من ضوابط التصدير ضد اليابان لم يحرك أسواق العملات الأجنبية كثيرا، لكن تصاعد الصدام بين بكين وطوكيو قد يؤدي إلى الضغط على الين؛ ما يقود إلى ارتفاع الدولار».
وبينما تترقب الأسواق تقرير الوظائف، يظل المستثمرون متيقظين لأي تصعيد جيوسياسي قد يؤثر على الدولار مباشرة.
قال عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي ومستشار ترامب الاقتصادي ستيفن ميران: «خفض أسعار الفائدة الأميركية بشدة بات ضرورياً هذا العام للحفاظ على استمرار نمو الاقتصاد».
بدوره، قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، إن التضخم يتراجع ببطء، لكنّ هناك خطرا من ارتفاع معدل البطالة على نحو مفاجئ، ما يزيد من احتمال خفض سعر الفائدة في وقت أقرب من توقعات الأسواق.
وفي أوروبا، يتوقع المتعاملون أن يبقي البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة ثابتة طوال هذا العام، وإذا استمر التضخم قرب مستواه المستهدف عند 2%، فلن يكون هناك سبب للتسرع في رفع تكاليف الاقتراض.
رغم تماسك الدولار حالياً، فإن الأسواق لم تسعر بعد بالكامل كلفة السياسة على النقد، ولا اختبار استقلالية الفيدرالي في عام انتخابي شديد الحساسية.
كتب خبراء «إم.يو.إف.جي» في مذكرة: «نتوقع أن تخفض اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال 2026، بمعدل مرة واحدة في كل ربع سنة حتى الربع الثالث».
حاليا، تشير معظم المؤشرات إلى أن الدولار سيظل تحت ضغط خلال النصف الأول من 2026، مع احتمالية حدوث تقلبات حادة مرتبطة بقرارات الفيدرالي وتطورات السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً، وانخفاض بنسبة 5% خلال 2026.
في المحصلة، يستمد الدولار قوته الحالية من صلابة الأرقام الاقتصادية، لا من ثقة سياسية مستقرة، وهو عامل هش بطبيعته في تسعير العملات.