
تشهد بنية الأسواق المالية تحولاً جذرياً يعكس إعادة تموضع استراتيجي لأقدم رموز النظام المالي التقليدي، حيث تمضي «بورصة نيويورك» (NYSE) بخطى نحو دمج الأصول الرقمية وتقنيات «البلوكتشين» في صلب عملياتها التشغيلية.
وتأتي هذه الخطوة، التي قد تعيد تعريف الهوية الوظيفية للبورصة بعد أكثر من 233 عاماً على تأسيسها، لتمثل انتقالاً من نموذج الأسواق المركزية المغلقة ذات ساعات التداول المحدودة إلى بيئة رقمية تتسم بالاستمرارية واللامركزية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن المؤسسة التي لطالما كانت هدفاً لمحاولات التجاوز من قبل العملات المشفرة، انتقلت الآن من موقع الدفاع عن الإرث التقليدي إلى مرحلة إعادة هندسة البنية التحتية للسوق باستخدام الأدوات الرقمية البديلة.
أكد مايكل بلاوغروند، نائب رئيس المبادرات الاستراتيجية في شركة «إنتركونتيننتال إكستشينج» (ICE) المالكة للبورصة، أن الأسواق تمر بمرحلة انتقالية مفصلية تتجاوز مجرد الحوسبة نحو التداول الرقمي القائم على تقنيات السجلات الموزعة.
ويرى بلاوغروند أن هذا التحول مرشح لجعل «البلوكتشين» المنصة السيادية لتنفيذ الوظائف الجوهرية للسوق، بما في ذلك عمليات المقاصة والتسوية، وجمع رؤوس الأموال، وتوزيع البيانات الحية.
وتمثل هذه المرحلة «الموجة التالية» في تطور الأسواق المالية العالمية، وتأتي بعد نحو ربع قرن من التحول الرقمي الأول، وذلك ضمن رؤية يقودها جيفري سبريشر، المؤسس والرئيس التنفيذي للمجموعة، الذي يدفع نحو توسيع التوسع المؤسسي في الأصول الرقمية رغم تحديات تسعير المخاطر التنظيمية وتقلبات السيولة.
ضمن مسار إعادة التموضع هذا، نفذت الشركة عملية تخصيص رأس مال بلغت 200 مليون دولار للاستثمار في منصة التداول الرقمي «أو كيه إكس» (OKX)، في صفقة تمنح المنصة تقييماً سوقياً يقارب 25 مليار دولار وفقاً لمصادر مطلعة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية تحليلية بالغة، كونها تأتي بعد عام واحد من موافقة المنصة، التي تأسست في الصين، على دفع تسوية بقيمة نصف مليار دولار لإنهاء تحقيق فدرالي أميركي. ويعكس هذا الاستثمار الجرأة المؤسسية في التعامل مع القطاعات ذات الطبيعة المعقدة تنظيمياً، سعياً لتأمين موطئ قدم في البنية التحتية المستقبلية للأسواق المالية.
تتضمن الخطط الاستراتيجية لشركة «إنتركونتيننتال إكستشينج» ترخيص أسعار التداول الفوري من منصة «أو كيه إكس» لإطلاق عقود مستقبلية منظمة داخل الولايات المتحدة خلال العام الجاري.
وفي حال الحصول على الموافقات التشريعية اللازمة، ستفتح هذه الشراكة آفاقاً لقرابة 120 مليون مستخدم حول العالم للوصول إلى منتجات المجموعة، بما في ذلك «الأسهم المرمّزة» (Tokenized Stocks) التابعة لبورصة نيويورك. وتعد هذه الخطوة حجر زاوية في مساعي إصدار أوراق مالية ممثلة رقمياً على شبكات «البلوكتشين»، مما يقلص الفجوة بين الأصول التقليدية والأنظمة اللامركزية.
في سياق تطوير البنية التحتية، أعلنت البورصة عن تحالف استراتيجي مع شركة «سيكيوريتيز» (Securitize) لتطوير منصة متخصصة للأوراق المالية المرمّزة تتيح التداول المستمر على مدار الساعة مع ميزة التسوية الفورية للصفقات.
وستسمح هذه المنصة للمستثمرين باستخدام «العملات المستقرة» (Stablecoins)، المرتبطة بالدولار، لتمويل العمليات التداولية، وهو ما يمثل تحولاً هيكلياً في هندسة الصفقات المالية، حيث يؤدي إلى تقليص الاعتماد على الوسطاء التقليديين وخفض تكلفة رأس المال وتحسين كفاءة السيولة في الأسواق الثانوية.
لا تتحرك بورصة نيويورك في معزل عن اتجاهات السوق العامة؛ إذ كشفت «ناسداك» (Nasdaq) مؤخراً عن شراكة مع منصة «كراكن» (Kraken) لاستكشاف إدراج الأسهم المرمّزة.
وبالتوازي، تعكف بنوك استثمارية كبرى مثل «جيه بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أميركا» على دراسة إطلاق عملات مستقرة خاصة بها. وتأتي هذه التحركات في ظل توقعات ببيئة تنظيمية أكثر مرونة تجاه الأصول غير التقليدية خلال إدارة دونالد ترامب، مدفوعة بتزايد الطلب المؤسسي ومن فئة المستثمرين الأفراد على أدوات مالية رقمية متطورة تلائم العصر الجديد.
يأتي هذا التوسع المؤسسي في وقت يواجه فيه سوق العملات المشفرة ضغوطاً تصحيحية، حيث سجّلت «بيتكوين» أسوأ بداية سنوية لها منذ 2018، مع تداولها حالياً عند مستويات 75 ألف دولار، نزولاً من ذروتها البالغة 126,273 دولاراً المسجلة في أكتوبر الماضي.
ورغم هذا التراجع السعري، لم تتأثر شهية المؤسسات المالية الكبرى، مما يشير إلى أن التحول نحو الأصول الرقمية يُنظر إليه كمسار استراتيجي طويل الأجل لتطوير بنية النظام المالي، وليس مجرد مراهنة قصيرة الأجل على حركة الأسعار.
لم يقتصر التوسع على الأصول التقليدية المرمّزة، بل امتد ليشمل «أسواق التنبؤ» عبر استثمار ضخم من «إنتركونتيننتال إكستشينج» يصل إلى ملياري دولار في منصة «بوليماركت» (Polymarket)، مما رفع قيمتها السوقية إلى 9 مليارات دولار.
وجاء هذا القرار بعد لقاءات استراتيجية جمعت جيفري سبريشر بمؤسسي منصات رقمية مثل ستار شو وشاين كوبلان، حيث أسهمت الخلفيات الهندسية المشتركة والتجارب في مواجهة التدقيق التنظيمي في بناء جسور الثقة.
وتوضح إدارة البورصة أنها تستهدف العقود المرتبطة بالمجالات الاقتصادية والطقس، مع تجنب مناطق الجدل القانوني مثل المراهنات الرياضية، لضمان مواءمة استثماراتها مع المعايير المؤسسية الصارمة.
يمتلك رمز وول ستريت سجلاً متبايناً في الاستثمارات الرقمية؛ فقد كانت البورصة من أوائل المستثمرين في «كوين بيس» (Coinbase) عام 2015 حين كان سعر «بيتكوين» 300 دولار، وحققت عائداً ناهز 900 مليون دولار عند التخارج في 2021.
وفي المقابل، واجهت شركة «باكت» (Bakkt)، التي أطلقتها «إنتركونتيننتال إكستشينج» في 2018، تحديات تشغيلية كبرى أدت إلى خسائر تجاوزت المليار دولار.
ورغم محاولات إعادة هيكلة «باكت» كمزود بنية تحتية قائم على الذكاء الاصطناعي، يرى محللون مثل مارك بالمر من شركة «بنش مارك» (Benchmark) للبحوث الاستثمارية أن المسار لا يزال يتطلب إثباتاً للجدوى، مما يؤكد أن رهان بورصة نيويورك على الرقمنة الشاملة يبقى تحولاً استراتيجياً عالي المخاطر وعالي المكاسب في آنٍ واحد.