logo
الاقتصاد الأخضر

الخليج يدخل سباق سيارات المستقبل.. صناعة تتوسع وسلاسل إمداد تتشكل

الخليج يدخل سباق سيارات المستقبل.. صناعة تتوسع وسلاسل إمداد تتشكل
سيارة «لوسيد غرافيتي» معروضة في معرض نيويورك الدولي، الولايات المتحدة، يوم 16 أبريل 2025. للسيارات 2025 المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

لم يعد حضور الخليج في سوق السيارات الكهربائية مقتصراً على استيراد الطرازات الجديدة وبناء محطات الشحن، بل بدأ ينتقل تدريجياً إلى مرحلة أكثر طموحاً تتمثل في تصنيع المركبات وتطوير التقنيات والمكونات المرتبطة بها.

ويعزز دخول قطر إلى هذا القطاع، عبر شراكة لتأسيس أول مصنع متخصص للمركبات الكهربائية في الدولة، خريطة صناعية خليجية آخذة في الاتساع، تقودها استثمارات كبيرة في السعودية، إلى جانب نموذج إماراتي يقوم على تنوع المشروعات والتصنيع الذكي وربط الصناعة بالموانئ والمناطق الاقتصادية.

قطر تدخل من بوابة التصنيع المتخصص

جاءت أحدث الخطوات من الدوحة، بعدما وقعت مجموعة «جيه تي إيه إنترناشيونال للاستثمار القابضة» القطرية شراكة طويلة الأمد مع شركة «وات للسيارات الكهربائية» البريطانية لإنشاء أول مصنع قطري متخصص للمركبات الكهربائية.

وبحسب التفاصيل التي أوردتها مجلة «أوتوكار» البريطانية، يُتوقع بدء الإنتاج مطلع 2028 بطاقة أولية تقارب 5 آلاف مركبة سنوياً، تشمل سيارة ركاب وشاحنة توصيل متوسطة الحجم، على أن يتوسع المصنع لاحقاً.

ومن المقرر أن تقود الشركة البريطانية تصميم المركبات وهندستها باستخدام منصة «PACES» المرنة، بينما يجري تصنيعها في قطر تحت علامة «صنع في قطر»، مع التركيز على تطوير مركبات ملائمة لظروف الخليج من حيث الحرارة المرتفعة والمسافات وطبيعة الاستخدام.

وقال الخبير الاقتصادي القطري بدر بن دلهم الهاجري، إن قطر لا تحتاج إلى الدخول في منافسة مباشرة مع المشروعات الإنتاجية الأكبر في السعودية والإمارات، بل يمكنها بناء نموذج يقوم على التكنولوجيا والتصنيع المتخصص.

وقال الهاجري لـ«إرم بزنس» إن «الميزة القطرية يمكن أن تكون في التركيز على القيمة المضافة والتخصص والابتكار»، مشيراً إلى أن البنية التحتية المتطورة والقدرات الاستثمارية والتحول الرقمي توفر أساساً لبناء نموذج صناعي مرن، واستخدام السوق القطرية منصة لاختبار المركبات والتقنيات الجديدة قبل التوسع بها إلى أسواق أخرى.

لوسيد تكشف عن سيارة أجرة ذاتية القيادة خلال فعالية إنفيديا لايف في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية 2026، قبل انطلاق المعرض السنوي في لاس فيغاس، نيفادا، في 5 يناير 2026
لوسيد تكشف عن سيارة أجرة ذاتية القيادة خلال فعالية إنفيديا لايف في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية 2026، قبل انطلاق المعرض السنوي في لاس فيغاس، نيفادا، في 5 يناير 2026المصدر: (أ ف ب)

تجارب خليجية مختلفة 

تدخل قطر قطاعاً سبق أن بدأت السعودية والإمارات بناء قواعد إنتاجية فيه، لكن وفق نماذج مختلفة. حيث بدأ مصنع «لوسيد» في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية عام 2023 تجميع سيارات «Lucid Air» من مجموعات شبه مكتملة التصنيع، بطاقة مركبة تبلغ 5 آلاف سيارة سنوياً.

وتعمل الشركة على استكمال قسم التصنيع الكامل بنهاية 2026، بطاقة تصميمية قابلة للتوسع إلى نحو 150 ألف مركبة سنوياً، وفق بيانات «لوسيد».

ويستفيد المشروع من اتفاق مع الحكومة السعودية لشراء ما لا يقل عن 50 ألف سيارة، مع خيار شراء 50 ألفاً إضافية خلال عشر سنوات، ما يوفر طلباً مؤسسياً أولياً يساعد على تشغيل المصنع وتقليل مخاطر الاستثمار.

أما «سير»، أول علامة سعودية للسيارات الكهربائية، فتعمل بالشراكة بين صندوق الاستثمارات العامة و«فوكسكون»، مع الاستفادة من تقنيات مكونات مرخصة من «بي إم دبليو».

وفي فبراير 2026، أعلنت «سير» توقيع 16 اتفاقية تجارية تتجاوز قيمتها 3.7 مليار ريال، أي نحو 987 مليون دولار، ضمن مساعيها لبناء سلسلة توريد محلية والوصول بنسبة التوطين إلى 45% بحلول 2034.

ويقول المستشار والخبير الاقتصادي السعودي إياس آل بارود لـ«إرم بزنس» إن أهمية التجربة السعودية تكمن في أنها لا تقتصر على تجميع السيارات، بل تمتد إلى بناء قاعدة صناعية من الموردين المحليين.

ويرى آل بارود أن السعودية قطعت خطوات كبيرة عبر «سير» و«لوسيد»، إلا أن القيمة الاقتصادية الأوسع ستأتي من الصناعات التي تنمو حول السيارة، مثل البطاريات والإلكترونيات والمواد المتقدمة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وإدارة الطاقة.

وفي الإمارات، تتوزع المشروعات بين أكثر من نموذج. فقد حصلت «رابدان ون»، التي تجمعها شركة «NWTN» في أبوظبي، على علامة «صنع في الإمارات»، وهي مركبة طاقة جديدة تعتمد تقنية المدى الممتد، إذ تسير بمحركات كهربائية مع وجود محرك يعمل مولداً لشحن البطارية عند الحاجة.

وفي مايو 2026، أعلنت شركة «روكس موتور» إنشاء مركز متقدم لتصنيع المركبات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في «كيزاد» بأبوظبي، على أن يبدأ تشغيله في النصف الثاني من 2026.

 وتستهدف الشركة الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف مركبة سنوياً بحلول 2030، وهو هدف مستقبلي يبقى تحقيقه مرتبطاً بالتنفيذ والطلب الفعلي.

أخبار ذات صلة

مقر شركة «بروج» الإماراتية للبتروكيماويات.

«بروج» الإماراتية تزود «روكس» بمنتجات لتصنيع سيارة دفع رباعي جديدة

تكامل خليجي أم مصانع متنافسة؟

رغم اختلاف النماذج، فإن ارتفاع عدد المشروعات يثير مخاوف من تكرار خطوط الإنتاج داخل سوق خليجية لا تزال مبيعات السيارات الكهربائية فيها محدودة مقارنة بالصين وأوروبا والولايات المتحدة.

ويرى آل بارود أن «التحدي والفرصة في الوقت نفسه هو ألا تتحول هذه المشاريع إلى مصانع متنافسة داخل سوق خليجية محدودة»، داعياً إلى توزيع الأدوار بحسب نقاط القوة التي تمتلكها كل دولة.

وبحسب تصوره، يمكن للسعودية أن تكون مركزاً رئيسياً للتصنيع وسلاسل الإمداد، بينما تؤدي الإمارات دوراً أكبر في التكنولوجيا والتمويل والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، في حين تتخصص قطر في الشحن والمركبات الذكية والاختبارات والتقنيات المتقدمة.

ويرى الهاجري أن المنافسة والتكامل بالتوازي قابلان للسير معا، موضحاً أن صناعة المركبات الكهربائية تعتمد على سلسلة طويلة تمتد من البطاريات وأشباه الموصلات والبرمجيات، إلى الشحن والاختبارات والخدمات اللوجستية.

وقال الهاجري إن توزيع الأدوار والاستفادة من مزايا كل دولة يمكن أن ينقلا الخليج من مجموعة مصانع متفرقة إلى قاعدة صناعية إقليمية قادرة على المنافسة.

أخبار ذات صلة

جانب من مراسم الإعلان عن افتتاح المكتب، في أبوظبي، يوم 12 نوفمبر 2025.

«روكس موتور» تفتتح مقرها الإقليمي في أبوظبي

الصين تهيمن على القيمة

تأتي الطموحات الخليجية في وقت تتركز فيه صناعة المركبات الكهربائية عالمياً بصورة كبيرة في الصين. فقد استحوذت خلال 2025 على نحو 70% من إنتاج السيارات الكهربائية وأكثر من 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالمياً.، وفق تقرير «آفاق المركبات الكهربائية العالمية 2026» الصادر عن وكالة الطاقة الدولية.

كما تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية العالمية 20 مليون مركبة خلال العام نفسه، ما يؤكد اتساع السوق، لكنه يكشف في الوقت ذاته حجم الفجوة التي تفصل المشروعات الخليجية الناشئة عن المنتجين الكبار.

ولا تقتصر الميزة الصينية على حجم الإنتاج، بل تشمل منظومة متكاملة تبدأ من معالجة المعادن وإنتاج مواد البطاريات، وتمر بخلايا البطاريات والإلكترونيات، وصولاً إلى تصنيع السيارة والبرمجيات والتصدير.

لذلك، لا يرى آل بارود أن الخليج مطالب بتقليد التجربة الصينية أو منافستها مباشرة في الحجم، بل ببناء ميزة خاصة تسمح له بالحصول على جزء من سوق المركبات وتقنياتها.

وقال إن «الهدف الاقتصادي الأهم ليس فقط أن ننتج سيارة خليجية، وإنما أن نمتلك حصة متزايدة من التكنولوجيا والقيمة الموجودة داخل السيارة الكهربائية العالمية».

أخبار ذات صلة

سيارة معروضة في أحد متاجر «بي واي دي» في مدينة نانجينغ الصينية، يوم 31 أكتوبر 2024.

مبيعات «بي واي دي» ترتفع 22% إلى 420 ألف سيارة خلال يوليو

المناخ الصحراوي يتحول إلى ميزة

قد تأتي إحدى المزايا الخليجية من تحدٍ واجهته المركبات الكهربائية منذ دخولها المنطقة، وهو تأثير الحرارة العالية والغبار والرمال والاستخدام المكثف للتكييف في أداء البطاريات ومدى القيادة وسرعة الشحن.

ويرى الهاجري أن تطوير مركبات وبطاريات وأنظمة إلكترونية مصممة أساساً للعمل في درجات الحرارة المرتفعة يمكن أن يحول المنطقة إلى مركز لتقنيات البيئات الحارة.

ولفت إلى أن وصف السيارات التقليدية المستعملة بأنها «بمواصفات خليجية» يرفع جاذبيتها بالفعل في بعض أسواق التصدير، ما يشير إلى إمكانية بناء هوية صناعية مماثلة للمركبات الكهربائية المنتجة في المنطقة.

ويتفق آل بارود مع هذه الرؤية، مشيراً إلى أن تطوير أنظمة تبريد وإدارة بطاريات وبرمجيات وشواحن تحافظ على الكفاءة في الظروف الصحراوية يمكن أن يفتح أمام المنتجات الخليجية أسواقاً واسعة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأجزاء من آسيا.

لكن تحويل هذه الميزة النظرية إلى منتج تصديري يتطلب مراكز أبحاث واختبار وشهادات أداء موثوقة، إضافة إلى تراكم بيانات حقيقية عن تشغيل البطاريات والمركبات لسنوات في الظروف المناخية القاسية.

في المحصلة، يشير دخول قطر وتوسع المشروعات السعودية والإماراتية إلى أن الخليج بدأ بناء قاعدة لصناعة جديدة، إلا أن نجاحها لن يقاس بعدد المصانع المعلنة، بل بحجم الإنتاج الفعلي، ونسبة المكونات المحلية، وقدرة الشركات على المنافسة والتصدير.

وإذا نجحت دول المنطقة في ربط التمويل والطاقة والموانئ والبنية التحتية بمنظومة مشتركة للموردين والتكنولوجيا والاختبارات، فقد ينتقل الخليج من سوق مستوردة للسيارات الكهربائية إلى مركز إقليمي لتطويرها وتصنيعها وتصديرها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف