الأسعار تنخفض أكثر من 1500 دولار من ذروتها
الفائدة والدولار يكبدان الذهب 22% خلال الحرب

خسر الذهب مستوى 4000 دولار للأونصة ونزل إلى أدنى مستوى منذ نحو سبعة أشهر، في إشارة إلى تحول جذري في مزاج المستثمرين من الرهان على الحرب والمخاطر الجيوسياسية إلى الرهان على ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية واستمرار قوة الدولار.
جاءت موجة البيع بعدما أعادت الأسواق تسعير مسار السياسة النقدية الأميركية، مع تصاعد التوقعات برفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة، بينما تراجعت أهمية العوامل الجيوسياسية التي دعمت المعدن الأصفر خلال فترة الحرب.
ارتفعت خسائر الذهب منذ بداية حرب إيران إلى أكثر من 1200 دولار للأونصة، أو ما يزيد على 22%، وبذلك يكون الذهب تخلى ليس فقط عن مكاسب الحرب كاملة، بل انزلق إلى ما دون المستويات التي كان يتداول عندها قبل اندلاع الصراع.
ويعكس هذا التراجع تحولاً جذرياً في سلوك المستثمرين، إذ انتقلت الأسواق من شراء الذهب كملاذ آمن خلال الحرب إلى بيعه مع انحسار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع العائد الحقيقي على الدولار والسندات الأميركية.
تراجع سعر الذهب إلى ما دون المستوى الرئيسي 4000 دولار للأونصة تحت ضغط ارتفاع الدولار وتوقعات برفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.
ارتفع مؤشر الدولار الرئيس مقابل سلة من ست عملات إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عام، وتحديداً منذ أبريل 2025؛ ما زاد تكلفة الذهب الذي لا يدر عائداً بالنسبة للمشترين حائزي العملات الأخرى.
ويشكل الدولار والذهب عادة علاقة عكسية، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأميركية إلى زيادة تكلفة شراء المعدن الأصفر للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، وهو ما يضعف الطلب العالمي ويضغط على الأسعار.
أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستوى يتراوح بين 3.50% و3.75% خلال اجتماعه المنعقد في الـ18 من يونيو برئاسة رئيسه الجديد كيفن وارش، كما حذف البنك المركزي عبارات التيسير النقدي من بيانه، ليُقلص عدد كلماته من 341 إلى 130 كلمة.
وانقلبت توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي من خفض ضمني لسعر الفائدة إلى رفع ضمني له، وارتفع متوسط سعر الفائدة المتوقع لعام 2026 إلى 3.8%، بعد أن كان 3.4% في مارس، إذ يتوقع تسعة من أصل 18 مشاركاً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الآن زيادة واحدة على الأقل في سعر الفائدة هذا العام.
كما أعادت الأسواق تقييم احتمالات رفع سعر الفائدة في ديسمبر إلى نحو 80%، بزيادة حادة عن نحو 24% في الشهر السابق، ويتوقع خبراء الاقتصاد في «دويتشه بنك» الآن زيادتين في سعر الفائدة خلال عام 2026؛ ما يعكس التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى تخفيف السياسة النقدية.
كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر؛ ما وفر للمستثمرين بديلاً أكثر جاذبية من الذهب الذي لا يدر عائداً، وهو ما سرع من عمليات التخارج من صناديق المعادن النفيسة خلال الأسابيع الأخيرة.
يشير هذا التحول إلى أن المستثمرين باتوا يفضلون الأصول التي توفر عائداً مباشراً، بعدما كان الذهب المستفيد الأكبر من حالة عدم اليقين الجيوسياسي خلال الأشهر الماضية.
كتب محللو «دويتشه»: «تغيير سعر الفائدة أدى إلى تعزيز قوة الدولار، فارتفاع أسعار الفائدة يزيد تكلفة حيازة الأصول التي لا تدر أي عائد؛ ما منح الدولار قوة استثنائية في الجلسات الأخيرة».
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، ترى الأسواق احتمالاً بـ37% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يوليو، مقابل 8.5% قبل أسبوع.
كما ارتفعت توقعات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى 70%، مقابل 29.1% في التقديرات قبل أسبوع، في حين يرى المتعاملون الآن احتمالاً بـ88% لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر، مقابل 61% قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الأسبوع الماضي.
وينتظر المستثمرون صدور بيانات الإنفاق الاستهلاكي الشخصي في الولايات المتحدة، وهي المعيار المفضل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) لقياس التضخم، والمقرر صدورها اليوم الخميس.
قال تاجر المعادن المستقل تاي وونغ في منشور: «توقعات السوق برفع أسعار الفائدة قريباً ربما في سبتمبر بسبب ميل مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتشديد النقدي وارتفاع الدولار إلى أعلى مستوياته في 13 شهراً من العوامل التي تضغط بشدة على المعادن الثمينة».
أضاف: «بالنسبة للذهب، هناك مستوى دعم يقع مباشرة تحت 3900 دولار، فضلاً عن أن مشتريات البنوك المركزية مستمرة، لذا فإن حدوث انهيار أمر غير مرجح، لكن من المتوقع أن تشهد الأسعار فترة طويلة من التماسك، في حين أصبح تداول الذهب غير مفضل في الوقت الحالي».
وقال المحلل لدى «إف إكس تي إم» لوكمان أوتونوغا: «من الممكن أن يؤدي ظهور مزيد من المؤشرات التي تشير إلى اعتزام مسؤولي الاحتياط تشديد السياسة النقدية أو صدور بيانات اقتصادية تدعم رفع أسعار الفائدة إلى مزيد من التراجع في أسعار الذهب».
رغم الضغوط الحالية، فلا تزال البنوك المركزية العالمية تمثل أحد أهم مصادر الدعم الهيكلي للذهب، إذ واصلت خلال السنوات الأخيرة زيادة احتياطاتها من المعدن الأصفر ضمن مساعي تنويع الأصول وتقليص الاعتماد على الدولار.
وقال المحلل لدى «ساكسو بنك» أولي هانسن في مذكرة للعملاء: «ستظل أسعار الطاقة محركاً رئيسياً على المدى القصير لقطاع المعادن النفيسة».
أضاف هانسن: «نشهد استمرار المفاوضات المتعثرة في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لا تزال تشير إلى التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يضيف براميل جديدة من النفط الخام إلى السوق؛ ما يضغط على أسعار النفط الخام ويساعد الذهب».
خفض «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار الذهب بنهاية العام، إذ لم يعد من المتوقع أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة خلال عام 2026، بخفض قدره 500 دولار للأونصة إلى 4900 دولار.
لكن اقتصاديي البنك الأميركي أشاروا إلى استمرار التوقعات بارتفاع أسعار الذهب في النصف الثاني من العام، وإن كان بوتيرة أقل من المتوقعة سابقاً، كما أن استمرار قوة الدولار يحرم الذهب من أحد أهم محركات الصعود التي دعمته خلال الأشهر الماضية.
ويبدو أن السؤال الذي يهيمن على السوق لم يعد مرتبطاً بالحرب أو التوترات الجيوسياسية، بل بمسار أسعار الفائدة الأميركية وقوة الدولار.
فكلما اقترب الاحتياطي الفيدرالي من دورة تشديد جديدة، ازدادت الضغوط على الذهب، بينما قد يمنح أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في التضخم المعدن الأصفر فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة جزء من خسائره.