التضخم والفائدة يعيدان تسعير الديون الحكومية
العجز وتضخم الإصدارات يرفعان تكلفة الاقتراض

شهدت السندات الحكومية انخفاضاً حاداً على مستوى العالم، اليوم الأربعاء، ما أدى إلى استمرار موجة التراجع التي دفعت تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وأشعلت المخاوف من ارتفاع تكلفة الاقتراض حول العالم، بما يزيد مخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي وربما دخوله في موجة ركود.
ارتفعت العوائد عالمياً، إذ يطالب المستثمرون بعلاوة أكبر مقابل الاحتفاظ بسندات الدين الحكومية، في وقت أدى التصعيد الأخير في التوترات في الشرق الأوسط إلى تجدد المخاوف بشأن ترسخ التضخم، مع توقعات برفع أسعار الفائدة هذا الشهر في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
◄عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات قفز إلى 4.8198%، وهو مستوى لم يتم بلوغه منذ أوائل عام 2007.
◄بلغ عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات 3.016%، بعدما تجاوز 3% لأول مرة منذ ثلاثة عقود يوم الثلاثاء.
◄ارتفع مؤشر أسعار الفائدة، وهو المؤشر القياسي لمنطقة اليورو، 4 نقاط أساس إلى 3.375%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2011.
◄العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات قفز إلى 3.404%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008.
◄قفز عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ عام 2007 عند 5.229%.
قال رئيس قسم الأسواق لدى «إيه جيه بيل» للخدمات المالية، دان كوتسوورث: «أثارت عودة الضغوط التضخمية قلق المستثمرين، لا سيما مع تصاعد موجة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط».
أضاف كوتسوورث في مذكرة: «زاد ذلك من المخاوف القائمة منذ فترة طويلة بشأن الأوضاع المالية وأعباء الديون المرتفعة للاقتصادات الكبرى من الولايات المتحدة إلى اليابان وفرنسا»، فيما تتحرك العوائد وأسعار السندات في اتجاهين متعاكسين.
تابع كوتسوورث: «تستمر تكاليف الاقتراض القياسية في جميع أنحاء العالم في تسجيل أعلى مستوياتها منذ عقود، حيث لا تزال المخاوف بشأن التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والديون المرتفعة محط الأنظار».
◄يُتوقع أن تستعد البنوك المركزية حول العالم لسلسلة من عمليات رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، وهو ما يُعد عادةً خبراً سيئاً للسندات.
◄اتخذ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، موقفاً متشدداً في خطابه الذي حظي بمتابعة دقيقة في جاكسون هول الأسبوع الماضي.
◄يُنظر إلى بنك اليابان على أنه قد يرفع أسعار الفائدة لدعم الين المتراجع.
◄تتوقع الأسواق بالكامل رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة، بعد صدور بيانات التضخم في منطقة اليورو يوم الثلاثاء.
قال كبير مسؤولي الاستثمار والرئيس العالمي للأسهم لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»، جورج ماريس: «دخلت أسواق الأسهم أيضاً في حالة من النفور من المخاطرة، حيث تراجعت المؤشرات الأميركية الرئيسية لثلاث جلسات متتالية، كما شهدت الأسواق الأوروبية والآسيوية انخفاضاً أيضاً».
أضاف ماريس في مذكرة: «يأتي ذلك عقب مكاسب قوية هذا العام، حيث سجلت العديد من أسواق الأسهم مستويات قياسية مع استمرار الحماس حول طفرة الذكاء الاصطناعي، على الرغم من الوضع الجيوسياسي المتقلب».
تابع ماريس: «المبادئ الأساسية في الأسواق أصبحت أكثر هشاشة مما كانت عليه من قبل، وإذا ارتفعت تكلفة المال وتكلفة المخاطرة، فهذا ما نراه مع الارتفاع العالمي في العوائد في كل مكان».
قال ماريس: «إذا نظرنا إلى مستويات الديون حول العالم، نجدها عند مستويات فلكية وتتزايد باستمرار، ولا تبدو الحلول لمعالجتها واضحة للعيان، لا أرى أي إرادة سياسية لمعالجة هذه المشكلة في أي مكان، وأعتقد أن هذه مشكلة».
أضاف ماريس: «أعتقد أن حقيقة حدوث كل هذا في فترة من النمو الاقتصادي العالمي الصحي، وأننا نشهد ارتفاع مستويات الديون، تعني أننا في وضع أكثر خطورة في حال حدوث اضطرابات».
كتب كوتسوورث، في مذكرة صدرت صباح اليوم: «يواجه المستثمرون الآن مباشرة وحش التضخم الذي يهدد بالتفاقم ما لم يتم اتخاذ إجراءات، وعادةً ما ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وتستمر توقعات السوق بشأن حجم رفع أسعار الفائدة في التطور».
أضاف كوتسوورث: «وصلت السندات إلى مرحلة قد يسعى فيها بعض المستثمرين إلى تثبيت عوائد مرتفعة نتيجة لتقلبات السوق الأخيرة، لكن ما قد يمنعهم هو توقعهم أن ترتفع العوائد أكثر إذا ارتفعت أسعار الفائدة بسرعة وقوة، ما يعني أن بعض مستثمري السندات قد يترقبون الوضع قبل الإقبال على الشراء».
لكن الفائدة ليست وحدها، إذ يرى رئيس الاستثمار العالمي للدخل الثابت لدى «تي رو برايس»، عارف حسين، أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل يعكس مشكلة أعمق تتعلق بالعجز الحكومي الضخم والمتزايد، وحاجة الحكومات إلى إقناع المستثمرين باستيعاب كميات أكبر من الديون.
يرى حسين أن غياب خطط مالية موثوقة لمعالجة العجز يدفع سوق السندات إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات، بالتزامن مع اختلال متزايد بين العرض والطلب، وتراجع دور المشترين الأقل حساسية للأسعار في استيعاب الإصدارات الحكومية.
والمشكلة تمتد إلى المشترين، إذ تشير تقديرات «بي سي إيه ريسيرش» إلى أن تغير هيكل الطلب جعل سندات الخزانة الأميركية أكثر عرضة لاختلالات العرض والطلب، مع تحول المستثمر الهامشي تدريجياً نحو مؤسسات أكثر حساسية للأسعار والعوائد.
يرى استراتيجي السندات الأميركية لدى «بي سي إيه ريسيرش»، رايان سويفت، أن هذا التحول ليس وليد الأشهر الأخيرة، وإنما نتيجة تغيرات تراكمت على مدار عقود، لكنها أصبحت أكثر تأثيراً مع الزيادة الكبيرة في احتياجات الحكومات للتمويل.
والولايات المتحدة في القلب، إذ يرى كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»، مايك غوساي، أن تجاوز الدين الحكومي الفيدرالي 40 تريليون دولار يأتي في وقت يطالب فيه المستثمرون بعلاوة أجل أكبر مقابل الالتزام بحيازة السندات طويلة الأجل، مع استمرار التضخم وتدهور الصورة المالية.
يرى غوساي أن المستثمرين يواجهون اقتصاداً لا يزال التضخم فيه أعلى من مستهدف الفيدرالي، بالتزامن مع غياب الشهية السياسية لاتخاذ قرارات صعبة للسيطرة على الدين.
والمنافسة على الأموال تشتد، إذ يرى استراتيجي العملات وأسعار الفائدة العالمي لدى «ماكواري»، تييري ويزمان، أن سندات الخزانة أصبحت تنافس الشركات الكبرى على المجموعة نفسها من رؤوس الأموال طويلة الأجل، مع تسارع الاقتراض المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي.
أضاف ويزمان أن بعض المستثمرين باتوا ينظرون إلى ديون الشركات الكبرى باعتبارها أكثر أماناً من زاوية الأساسيات المالية، في وقت تتمتع فيه شركات التكنولوجيا بأرباح وتدفقات نقدية قوية، بينما تواجه الحكومة الأميركية عجزاً متزايداً واحتياجات تمويل ضخمة.
وهنا تتغير المعادلة، إذ يرى أستاذ التمويل في جامعة «ستانفورد» والباحث في «معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية»، هانو لوستيغ، أن ارتفاع العوائد لم يعد انعكاساً لتوقعات الفائدة والتضخم فقط، وإنما يعكس أيضاً ارتفاع علاوة الأجل التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون الحكومية لفترات طويلة.
يرى لوستيغ أن المستثمرين يعيدون تسعير سندات الخزانة الأميركية مع تزايد التساؤلات بشأن مخاطرها، بالتزامن مع تغير قاعدة المشترين وزيادة حساسية السوق للأسعار.
أما الخطر الأطول، فيرى حسين من «تي رو برايس» أن استمرار اختلال العرض والطلب وغياب خطط مالية موثوقة قد يبقي العوائد طويلة الأجل مرتفعة حتى بعد هدوء بعض الضغوط التضخمية، ما يهدد بتحويل مشكلة ارتفاع تكلفة الاقتراض من موجة مرتبطة بالحرب والفائدة إلى أزمة أعمق في تمويل الديون العالمية.